في مهرجان المسرح الثالث

بعد إعلان نتائج مهرجان المسرح العماني ليلة البارحة، كان شيئا طبيعيا أن يخسر بعضهم ويكسب آخرون، وكان أكثر من طبيعي في بلادنا أن يأتي أحدهم فيقول بأن ظلما حصل، وبأن لجنة التحكيم ليس لديها حس فني أو نظر، وسينبري آخرون مدافعين عن الفائزين كالعادة، ككل مرة يحدث فيها الاختلاف في الذوق
مع العلم بأن الأمر الحكمي يعمد إلى ضوابط معينة كي يفرز الفائزين، وهذا ما حصل في مهرجان المسرح العماني الثالث، إذ علمت من مصادري الخاصة بأن الوزارة فعليا لم تتدخل أو تؤثر على لجنة التحكيم مطلقا، وترك الأمر لها كي تقرر من يستحق الفوز..

وهذا أمر يحسب للجنة التنظيم، يحسب لوزارة التراث والثقافة التي ملئت صفحتها اتهامات وما زالت، وهذا أيضا أمر طبيعي جدا، فنحن لا نشبع وهم كثيرا لا ينصتون لنا..

بعيدا عن وزارة التراث والثقافة وبعيدا عن الجو التنظيمي الذي كان فيه مهرجان المسرح العماني في دورته الثالثة، والمشاكل التي حدثت، والانسحاب الذي صار، والنبرة العالية من التوتر ما بين الفرق المشاركة ولجنة تنظيم المهرجان، سأقول للجميع بأن المهرجان قد نجح

أستند هنا إلى استمرار المهرجان حتى النهاية، مع أني منذ اليوم الأول قلت للجميع: عليكم بالانسحاب إذا كنتم تؤازرون فرقة مسقط الحر، وكنتم تريدون إفشال المهرجان، ولكن المسرحيين المشاركين كانت لهم وجهة نظر أخرى، وهي إصرارهم على إبداء حسن النية مع كل الظروف المحيطة، وهذا أمر حسن بطبيعة الحال، أمر جيد جدا أن يعمدوا إلى مواصلة المشوار حتى لو اختلفت الرؤيا وكان الطرح معاكسا والمسار في اتجاه مغاير..

إذن المهرجان كان ناجحا بفضل هؤلاء المسرحيين

هذا من جهة

ومن جهة أخرى فإني سأقول بأن النتائج كانت طبيعية في ظل تراجع في مستوى الأعمال المقدمة، وضعف المستوى الفني المشارك، فبالله عليكم: هل هذه مسرحيات ترقى إلى أن نقول عنها أعمالا فنية قادرة على خوض غمار مهرجان ومسابقة؟ علما بأن المشاركين ليسوا في مرحلة البداية وقد سبق لهم أن قدموا أعمالا فنية، وتابعوا وشاهدوا ويفترض بهم بعد كل ذلك أنهم تعلموا واستفادوا..

لكن على ما يبدو أن تعلمنا يبدو بسيطا للغاية، وبأن مقدرتنا على الإبداع هي أقل ما يمكن، ولا يهم أن نثقف أنفسنا في المجال الذي نحبه، فالمهم هو أن نكون مشهورين!

هذا هو الواقع الفعلي، فالثقافة المسرحية لدى المسرحيين تبدو سطحية للغاية، وقد يكون بعض الجمهور الحاضر للأعمال التي قدمت أكثر وعيا من الفنانين أنفسهم..

أقول هذا الكلام عقب حديث عابر مع أحد أعضاء لجنة تطوير المسرح والذي أكد بأن الاستبانة التي قدمت لعينات شملت الفنانيين المسرحيين وجماهير متعددة واختصاصيين أكدت على سطحية الثقافة المسرحية لدى الفنان العماني

حتى الآن أتساءل: لماذا يختار أحدنا الخشبة؟ هل لحب فينا للمسرح؟ أكاد أشك، وأقول بأن الغالبية الكبرى لا تعي معنى مسرح، وهمها الأول والأخير هو الظهور والمصالح الذاتية الهزيلة من وجوده على الخشبة..

للأسف الشديد هذه حقيقة واقعة، وها أنا أراها في مهرجان المسرح العماني، إذ أن من نعول عليهم وجود طاقة إبداعية آخذون في التراجع لضيق الأفق وعدم وجود مخزون إبداعي لديهم

وانظروا معي إلى مستويات النصوص المقدمة للمهرجان، تلك التي خطت بأيد عمانية، يكاد أغلبها يعالج قضايا سطحية، ويشتغل على مساحات ضيقة جدا من الفضاء الإبداعي المسرحي.. وهنا سأركز على نصين للكاتب والمخرج عماد الشنفري: هذان النصان هما رجل بثياب امرأة وأوراق مكشوفة، وسأتحدث عن الأول كوني رأيت عرضه، فأجدني أقول بأنه لا يرقى لأن يشكل نصا مسرحيا، وما هو إلا "اسكتش" يمكن أن يقدم في أمسية عن حقوق المرأة!

للأسف الشديد يبدو عماد أكثر تراجعا من غيره، مع العلم بأنه يملك إمكانيات جيدة في طرح الأفكار، ولو أنه تخلص من عقدة الظهور المبالغ فيه والرغبة في أن يكون حاضرا في كل شيء وركز على العملية الإخراجية فقط لوجدنا أنفسنا أمام مخرج مبدع وفذ..

لقد كانت معالجة هذا النص لقضيته سطحية للغاية، بحيث أنني أخرجه من دائرة الإبداع تماما، وهذا أمر يحسب على عماد وأعده لطخة في تاريخه المسرحي..

يمكننا ان نطرح مختلف القضايا ولكن كيف يمكن لنا أن نعالج المواضيع المطروحة؟ هذا هو السؤال المهم..

وباستثناء نصي بدر الحمداني وآمنة الربيع أجد أن لا إبداع حقيقي في النصوص العمانية المقدمة، والإبداع ينطلق من النص قبلا ثم من الإخراج: كيف يستطيع مخرج أن يتعامل مع نص ويطبقه على الخشبة؟ هذا ما جعل مالك المسلماني وأحمد معروف يؤهلهما للفوز بجائزة الإخراج، إذ أن الأول تعامل بثقافة عالية وقدرة كبيرة مع نص متعدد المستويات وصعب من ناحية الأداء، فيما استطاع الآخر أن يصعد قليلا فوق نص ضعيف ففاز بجائزة إضافية مع الإخراج (لجنة التحكيم كما أزعم تقوم بوضع نقاط من خلال فوز الفرق بجوائز الممثل والممثلة والنص والإخراج والسينوغرافيا مما يؤهل الفرق لحد مركز متقدم، ولو أن الجسر حصت جائزة واحدة في التمثيل دور أول أو النص لكانت حجزت مقعدا ولو ثالثا بين الفرق الفائزة، ومع تعاطفي الشديد معهم إلا أن هذا ما يحدث، ولذا لا تلام لجنة التحكيم في نتائجها لأن النقاط هي ما حسم وضع أوبار وصلالة اللذان لا يرقيان إلى عرض الجسر)
النقطة المهمة أيضا بعد النص والإخراج: الأداء.. لقد فاز الصديق حمود الجابري بالجائزة عن جدارة واستحقاق وهذا ليس بغريب عن شخص أعرفه جيدا، أعرف أنه مغموس في فن هو المسرح، وبأن غالب مكتبته هي كتب في المسرح، ليست نصوصا فحسب بل في إعداد الممثل وفي نظريات الإخراج وفي أطروحات متعددة حول التمثيل والمسرح عموما
ولو أن عبد الله مرعي وبدر الحمداني مثلا على الخشبة لكان هذا المهرجان قويا جدا من ناحية الأداء، ولو أن إدريس النبهاني هذا الشاب الذي يملك مقومات أدائية عالية، تخلص من افتعاليته ومبالغته في عرض الجسر وجسد تلك الشخصية الجميلة على الورق بشكل أكثر كفاءة لكن ثمة كلام آخر في مسألة توزيع الجوائز...
إن الأداء مهم جدا في خلق جو ممتع في العروض المسرحية، في جعلنا نتخطى عيوب الإخراج أو النصوص أو المشكلات التقنية التي قد تكون اعترضت العروض
لا غرابة أن يفوز حمود أو ميمونة فهما كانا متناغمين بشكل هائل وقد أخرجا كل إبداعهما ومهما قيل عن ميمونة التي أحست بالمسئولية الأخلاقية تجاه العمل فانسحبت في اللحظة الحرجة وعادت بشكل أقوى واعتذرت للسبب ذاته بعد ذلك فإنها استحقت أن تكون الممثلة الأولى، استحقت ما حصدته من ثناء وإعجاب وفوز في الختام
لا أدافع عن عرض مواء القطة، ولا أقول بأنهم أصدقاء ولكنني أرى الأمور من نواح أخرى: فريق عمل متناسق ومتفاهم لآخر لحظة، وتعامل مع المشاركة في المهرجان بمسئولية هائلة وبإخلاص، وهذا يكفي كي يفوز المرء بثقة..
إن هذا المهرجان في دورته هذه يعطينا دروسا مهمة، وأولها أن الإخلاص هو سبب الفوز، والمهم هو الانتقاء الجيد، والعمل بشكل مبتكر كي نبدع.. ولذلك غردت القطة خارج السرب، وكذلك استحقت الدن برغم عدم فوزها ذلك الإعجاب وتلك المباركة الطيبة لإبداعها، وفي المرات المقبلة ستؤكد قدراتها لأن أصاحبها يميلون لتطوير مستوياتهم والتعلم
ودعونا ننسى هذه الصفحة ونفكر في الأيام المقبلة، وكيف يمكن أن نرضي الجمهور المتعطش للمسرح...

تعليقات

المشاركات الشائعة