الثلاثاء، يونيو 17، 2014

القرار الصعب

في عام 1913 حدث ما يعلمه أغلبنا وهو الثورة ضد الحكومة المركزية في مسقط وذلك في أواخر ايام السلطان فيصل
عمان في ذلك الزمن مرت بانتكاسات عديدة بعد وفاة سلطانها العظيم سعيد بن سلطان فذهبت زنجبار وهي البيضة التي كانت تدر المال للحكومة ودخلت البلاد في نزاعات متعددة وتدخلات استعمارية واضحة
كلنا يعرف ذلك على ما أظن ويدرك أننا دخلنا نفقا مظلم تعاظمت ظلمته حتى جاء السلطان قابوس وانتشل عمان من نفقها المظلم وبتنا دولة حقيقية يشار لها بالبنان
أعود إلى الثورة التي حدثت في تلك الأيام وكان نتاجها تمزق وحدة عمان، أعود إليها طارحا بعض أسبابها، هل تعلمون أن من أسبابها كانت عوامل اقتصادية وتصرفات "ضريبية" من قبل الحكومة المركزية في مسقط لم يطقها الناس
العامل الاقتصادي عامل مهم في نشوء الرضا أو نقيضه الذي سيبعث بعد حين على الصدام وربما ما هو أشد من الصدام
وفي عام 2011 خرج الكثيرون وكان شعورهم بيد خانقة تمتد إلى رقابهم فتضغط عليهم سببا أساسيا للاحتجاج والمطالبة بتحسين الوضع والخروج من الأزمة، كان كثير منهم عاطلا عن العمل بل بعضهم قد سرح قبل أيام عندما بات الحد الأدنى للأجور هو 200 ريال
ما الذي سيحدث الآن عندما تعاود اليد ذاتها لخنق حياة أي إنسان؟ من الطبيعي أن يتصرف،  وفي أحيان يتصرف بعنف.
لو أن حكومتنا الموقرة بادرت قبل قرارها الأخير بإعادة هيكلة الاقتصاد العماني وحاربت الاحتكار والفساد وضعف القوانين المسيرة للعملية الاقتصادية وأنشأت ما يدعم المواطن ويحميه من فك الجشعين الذين يرهن كثير منهم نفسه لطغمة من الهنود والوافدين، لو أنها فعلت ذلك هل كان قرارها الذي يطلق عليه الفكهون بقرار الدنجو لاقى كل هذا الهجوم؟
لا أظن
ومهما أبدى المسئولون اليوم من أن هناك مراقبة وهناك تعديلات في القوانين وبأن الاحتكار سيحارب والأنظمة ستعدل وسيتم انشاء الجمعيات التعاونية فإن الصورة السيئة للحكومة ستظل حاضرة والشك في مصداقية أي قرار حكومي، خاصة في ظل تجاهل واضح للمجلس الذي يفترض أنه مجلس من الشعب وقد تم انتخابه من قبل الشعب حيث قرارات مرتبطة بالناس لا يقرر البت فيها ممثلو الشعب
على الحكومة أن تدرك انها في مهمة صعبة للغاية وبأنها تفقد كثيرا جراء محابة واضحة لقلة قليلة تتحكم في اقتصاد البلد وأرزاق الناس

الاثنين، يونيو 16، 2014

رصاصة الرحمة في جسد الوطن

سأفترض مع كثيرين يفترضون مثلي كالعادة، بأن قرار مجلس الوزراء الموقر بشأن قائمة السلع التي لا يجوز رفع سعرها إلا بعد موافقة من مجلس الوزراء ذاته هو قرار صائب، ويصب في مصلحة الوطن والمواطن والمستهلك عموما، لاسيما الذي لا يتجاوز راتبه الخمسمائة ريال، علما بأن هناك من لا يصل راتبه هذا المبلغ أصلا
هذا الإفتراض يعني أن سلعا أخرى كالملابس مثلا، حقائب المدارس، الأقلام، الدفاتر، الأسماك، اللحوم، الكهرباء، الماء، الثلاجات، المكيفات، الأفران، الغسالات، وحتى المراوح ليست أساسية على الإطلاق، لأن الإنسان يحيا فقط بتلك القائمة التي وضعها مجلس الوزراء الموقر، من دنجو وحب هريس وفول وزيت ورز.
وبما أنه يعيش بهذه القائمة، وهي تمثل أساسياته فطبيعي جدا أن لا يفكر في الرؤية لمستقبل جيد للأبناء، فالتعليم سلعة غير ضرورية، والمهم أن يعيش الإنسان على الكفاف، والآخرة هي الفرصة الحقيقية لكل المؤمنين، أما دون ذلك فهو زائل ولا قيمة له ولا ينبغي لأي إنسان عماني عاقل أن يفكر فيه.
لا تفكر أيها المواطن في السيارات، وقطع غيارها، وإطاراتها، وسعرها، لأنك يمكن أن تستغني عنها، وعن كل الصداع الذي يأتيك من وراء سيارة، فالمواصلات العامة ممتازة وخيار ذكي جدا، يمكنك أن تلوذ به، وستساهم حتما في جعل بيئة بلادك بيئة نظيفة وغير مزدحمة.
لا تفكر في عالم سعيد، فالسعادة ليست لك أنت، أنت لك الآخرة حتما، لك الجنة بعد حين، أما الدنيا فهي وسخ زائل.
لا تفكر في غد أفضل، فالحروب تزين المشهد كله، لذا لا تشتر شاشة تلفزيونية تنقل لك الأخبار، إذ لا تنس أن لا كهرباء لديك، فالكهرباء سلعة غير مهمة، وأما الماء فيمكن أن تشرب من البحر يا صديقي، يقولون بأنه خفف ملوحته هذه الأيام، وما يدريك، لربما جاءتك سمكة لم تر مثلها منذ زمن فجلبتها لعيالك الذين يعيشون على تلك القائمة السخية التي فرضت عليك.
أنت في جهاد كبير وعليك أن توقن بأنك مناضل من الطراز الرفيع، ولا يغويك أحد بالقول بأن هناك أشياء أخرى يعيش بها الإنسان، أولئك روج لهم في التلفزة والسينما، وهي أشياء لا تهمك أصلا، ولا يمكن أن تعيش من خلالها، دعك من كل ذلك واهتم بالتفاصيل الصغيرة وراقب جارك الذي افتتح محلا صغيرا يبيع فيه الفول والعدس والقشطة، فإن رفع سعر عدسه وفوله وزيته ورزه أبلغ عنه واحكم عليه بالرجم، أما القشطة فليست مهمة فلا تهتم بها، ركز على القائمة وحدها.
هدده هذا الجار المسكين، وأخبره بان رفع أسعار سلعه تلك الواردة في القائمة قد يودي به إلى التهلكة، وبأنك لن تقبل عليه، فثمة محل كبير اسمه الهايبرماركت وفر عروض جميلة يقول: هيت لك يا مواطن.
اطعنه بذلك القرار، اتركه يتعفن مع فوله الفاسد، وامض إلى التاجر الكريم الذي سيهديك مع كل علبة فول علبة مشروبات غازية لم يتم رصدها في القائمة، ولم يعد باستطاعتك أن تشتريها الآن.
سيمنحك أيضك فرصة الفوز عبر كوبونات الحظ، وكي تفوز عليك أن تهز رأسك في دلالة واضحة على قدرته في التأثير الثقافي، وبأن رصاصة في الجيب تحملها اليوم في سفرة علاج لن تودي بك إلى الحبس، فالأمور تمام التمام
طبعا أنت لم تقصد أن تفعلها، أقصد أن تحمل تلك الرصاصة، بل ربما الرصاصة جاءت عرضا من هناك، من تلك البلاد، فإن شاءت الأقدار أن تنطلق من فوهة غير البندقية فما عليك سوى أن تنزع عنك أسمالك البالية وتحمي الوطن، كن الشهيد يا صديقي، فالحوريات في انتظارك، حيث لا قوائم ولا يحزنون.
ألم أقل لك بأن الجنة هي الهدف غير المعلن من وراء هذه القائمة؟ 
طيب الله ثراك، ورحمك أينما كنت الآن.

الأحد، فبراير 23، 2014

عن جمعية الصحفيين أتحدث



بعد عشر سنين أو أكثر بقليل نكتشف في عمان سخافة ما سمي بمنظمات المجتمع المدني، السخافة هنا منبعها ليس مسمى "منظمات" أو "مجتمع مدني" ولا أنها خانعة لتوجه حكومي لا سمح الله، فالحكومة قد فتحت الباب، وأعطت كل الصلاحيات ولم تتدخل مطلقا في نشوء وعمل هذه المنظمات، أو الجمعيات وفق الصيغة الرسمية المعتمدة من قبل وزارة التنمية المخولة بإشهار واعتماد ومراقبة أي جمعية من الجمعيات التي تقوم بإشهارها، ولا أظن أن الحكومة ستفكر بالتدخل في شئون هذه الجمعيات، لأنها تساندها، وتساند جهودها في التنمية التي بدأت منذ أكثر من أربعين سنة، وما زلنا حتى اليوم نعيش ثمارها، وهي بالمناسبة ثمار ينبغي أن نأكلها على تؤدة، فليس من الحميد مطلقا أن نغص بها فنموت وتموت الأجيال التالية.
السخافة منبعها فعليا أن هذه الجمعيات، منظمات العمل المدني، لم تقم بما ينبغي عليها أن تقوم به، لم تفعل إلا أن تكرس صورة سلبية بغيضة عن مفهوم العمل المدني، الذي يفترض التضحية والعمل الدؤوب من أجل صالح الفئات التي أشهرت باسمهم تلك الجمعيات.
سيقفز أحدهم الآن أمام عينيّ مباشرة ويقول: أنت دائما تعمم، وتحاول أن تشمل بأحاديثك الجميع، إذ إن كلامك لا يمت لأرض الواقع بصلة، فهناك جمعيات تستحق الشكر والامتنان، ولها دور طليعي في حقلها الذي اختصت به، كجمعية البيئة، أو جمعية التدخل المبكر، أو السرطان، أو القلب، أو حتى الجمعيات التي تم إشهارها مؤخرا من مثل جمعية التوحد.
معك حق يا من قفزت أمام عيني مباشرة، لا ينبغي أن أعمم، ولذلك فإن كلامي لا يشمل كل جمعيات المجتمع المدني، ولا يختص إلا بجمعيات معينة، أكمل بعضها أكثر من عشر سنين، بدت عجافا ولا أمل يلوح في الأفق بالسنين السمان.
لعلكم أيقنتم أي جمعيات أقصد، وهي من كثر في حقها الحديث، والمطالبات بتعديل حالها، هذا الحال الذي حتى اللحظة لا يبدو أن سيتحول من حالة النصب إلى حالة الرفع أو على أقل تقدير السكون المريح
سأترك الجمعية العمانية للكتاب والأدباء لا لأنها الأقرب لي من حيث اختصاصها، بل لأنها في سنواتها السبع أثبتت أن الفعل الديمقراطي يحتاج إلى قلوب جسورة، وبأن مفهوم المثقف والتنويري يبدأ من الإيمان بما ينادي به، وبرغم عضويتي التي علقتها باختياري، والتي لا أنتوي تفعيلها لأسباب لا علاقة لإدارات الجمعية المتلاحقة أي دخل فيها، علما بأن مشكلات إداراتها المتتابعة موجودة أيضا، ولا يمكن نفيها، ولكن كل إدارة تأتي ترحل بعد حين مع تحية كبيرة ومحبة غامرة لأعضائها، إلا فيما ندر، ترحل وقد أنجزت بعضا مما وعدت به، أو قامت ببعض ما لا ينبغي أن تفعله من اجتهاد قد يكون ارتأت أنه مفيد ويعم بالخير على أعضاء الجمعية والكتاب والأدباء في عموم السلطنة.
وأيضا سأترك الجمعية العمانية للمسرح التي تدخل سنة خامسة وقد عصفت بها المشاكل والأزمات حتى حلت آخر إدارة منتخبة من قبل وزير التنمية وقرر تشكيل إدارة مؤقتة كانت مهمتها الأولى والأهم أن تجمع المسرحيين على قبل رجل واحد، وهي مهمة عسيرة إذا ما أدركنا حجم مأساة الكرسي الذي أراده البعض حكرا عليه، مهمة ليست سهلة في ظل التراشق الضمني الذي يعيشه المسرحيون فيما بينهم
خمس سنوات كانت كفيلة بإشاعة الزهد في فن المسرح، وهو زهد انتقل من الحكومة إلى المسرحيين أنفسهم، ليظل المسرح أبو الفنون في خانة متنائية.
ولذا تبدو الإدارة الحالية التي لم تنتخب إنما تم تزكيتها في مهمة عسيرة في القيام بفعل يجعل الجمعية في خانة الرضا لدى منتسبيها، ومع أنني لست متفائلا جدا بمستقبل هذه الجمعية بالذات، لكنني أرفع يدي بالدعاء الصادق لكل الأعضاء المنتسبين إليها، ولإدارتها، وهم جميعا أصدقاء لهم كل الحب والامتنان.
أما الجمعية العمانية للسينما فهي الجمعية الضبابية التي لا يعرف أحد عنها أي شيء سوى ذلك المهرجان الذي يقام كل عامين، مهرجان يبدو ضئيلا أمام مهرجانات تقام في دول إمكانياتها أقل بكثير من السلطنة، ولكن الفكرة ليست في إقامة مهرجان، بل الفكرة في الفن ذاته، في فهمه، ومعرفة طبيعته، وليس في إقامة مهرجانات من أجل أن يقال بأن لدينا مهرجان.
جمعية تتشارك مع جمعية الصحفيين العمانية في كونها رمت بمفهوم الانتخاب الحقيقي، بمفهوم الديمقراطية، عرض الحائط، ولولا معرفتي بأن أعضاء الجمعية العمانية للسينما منعزلون، لم يدخل بينهم أعضاء يمكن لهم أن يؤثروا، ولولا معرفتي بأن السينما فن ما يزال عصيا على المجتمع العماني، لكنت قلت بأن الوضع مقلق، لكنها جمعية تمارس عملها الانتقائي في عتمة، ولا أحد مستعد للدخول إليها من أجل إحداث تغيير، خاصة من جيل من يفترض بهم أنهم سينمائيون، فهؤلاء يظهرون ثم يخفتون مثل الجمعية تماما.
لكن جمعية الصحفيين العمانية، أو جمعية الخالدين وذلك كما يسميها البعض في وسائل التواصل الاجتماعي، فهي الجمعية الأكثر التي يتم الحديث عنها، لا لإنجاز قدمته، ولا لفعل تنويري قامت به، ولا لأنها ارتقت بالعمل الصحفي في السلطنة، وهي لم تقم بذلك فعليا، بل لأنها لم تقم بشيء أكثر من الإساءة للعمل الصحفي والصحافة في السلطنة، مع إدراكي التام لمشكلات العمل الصحفي في البلاد، والذي تبدو أول مشكلاته في ممارسي المهنة ذاتها.
هذه الجمعية، جمعية الخالدين، لم تفعل أكثر من تأكيد سوءات من يمتلكون القدرة على إمساك القلم، الذين يراهن عليهم المجتمع كثيرا في مؤازرتهم برفع الأذى عنه، غير مدرك هذا المجتمع أن مثل جمعية الخالدين تساهم في إذائه بشكل كبير.
وطوال عشر سنين لم تكن المشكلة في وجود أسماء بعينها في إدارة الجمعية، بل في إصرار هذه الأسماء على أنها تفعل الصواب، وليس غير الصواب، وإذا ما قال أحدهم رأيا، انبرت الأقلام، أقلام أعضاء مجلس الإدارة، في شن الهجوم تلو الهجوم وبلغة متشنجة بعيدة عن اللياقة التي ينبغي أن يتحلى بها الصحفي فعلا، كلما قال أحدهم رأيا جاءت التهم الجاهزة وأسلوب المن المؤذي، والعنترية الفارغة، ثم إذا ما تقهقر حسابهم في موقع التويتر، قالوا الحساب مخترق!
ألا يعي أمثال هؤلاء أن هذا الفعل لا يجعلهم إلا أضحوكة؟ علكة في الفم؟ وللأسف ليس فما عمانيا! ألا يدركون أن الركض وراء أصحاب المناصب والمال لن يقدم في دنياهم ولن يؤخر؟  فلماذا كل هذا التراقص على لا شيء؟
هذه المرة ماذا ستقولون؟ أنكم علمتوني الصحافة؟ أنكم دفعتم للمحامي كي أخرج من الحبس في قضية مقال كتبته؟ ستعيرونني بأني ذهبت في رحلة أقمتموها؟ مع العلم أن منظم الرحلة الفعلي ليس أنتم، ماذا أنتم فاعلون؟ لتقولوا أنني لا أجيد الكتابة؟ وبأنني "بتاع" الأدب ولا دخل لي في الصحافة والإعلام، ثم قولوا بأن الحساب قد تم اختراقه للأسف الشديد.
مثل هذه الجمعية لا يمكن لها أن تمثلني، نظرا لما يقوم به مجلس الإدارة من تصرفات لا تخدم الصحافة ولا الصحفيين، وكل اعتمادهم في انتخاباتهم على نسبة لا يستهان بها من العاملين في الصحافة من غير العمانيين، فيما العمانيون العاملون في الحقل الصحفي ينفرون من هذه الجمعية، ومن الانضمام إليها، وللأسف الشديد فإن هذا النفور هو ما جعل من نسبة من يحق لهم التصويت من غير العمانيين نسبة تكاد تصل إلى الثمانين بالمائة، إن لم تكن أكثر، وهو وضع مزر بحق، وللأسف فإن مجلس الإدارة الخالد يدرك هذا الأمر، ويدرك أن هذا الأمر هو سبيله لمواصلة التشبث بالكرسي.
الآن لا يعنيني ولا يعني كثيرين أمثالي ما يمكن أن تقولوه، ما يعنينا جميعا هو اسم عمان الذي يساء إليه بأفعال ومقولات مؤسفة، ولهذا أطالب الجهات المعنية ومن يهمه الأمر بالتصرف العاجل لما فيه مصلحة عمان، أقلها لتمنع الجهة المختصة تصويت غير العمانيين، إن لم تفعل كما فعلت مع جمعية المسرح، وأدعو الصحفيين الشرفاء وكل من هو معني بالعمل الإعلامي توجيه عريضة موقعة إلى جهة الاختصاص لإعادة إشهار جمعية الصحافة العمانية، وتأسيسها من جديد، لما يخدم البلاد والعباد، ولما هو في صالح الصحافة والصحفيين أنفسهم.
عشر سنوات إذن مرت، وما زال الحال لا يبشر بأن جمعيات المجتمع المدني قد تبشر بمستقبل زاهر للبلاد.

* نشر بالتعاون مع صحيفة البلد الإلكترونية


الثلاثاء، فبراير 04، 2014

عودة

"هل كان علينا أن نسقط من عُلُوّ شاهق، ونرى ‏دمنا على أيدينا... لنُدْرك أننا لسنا ملائكة.. كما كنا نظن؟
‏وهل كان ‏علينا أيضاً أن نكشف عن عوراتنا أمام الملأ، كي لا تبقى حقيقتنا عذراء؟
‏كم ‏كَذَبنا حين قلنا: نحن استثناء!
‏أن تصدِّق نفسك أسوأُ من أن تكذب على ‏غيرك!
‏أن نكون ودودين مع مَنْ يكرهوننا، وقساةً مع مَنْ يحبّونَنا - تلك ‏هي دُونيّة المُتعالي، وغطرسة الوضيع!
‏أيها الماضي! لا تغيِّرنا... كلما ‏ابتعدنا عنك!
أيها المستقبل: لا تسألنا: مَنْ أنتم؟
وماذا تريدون مني؟ ‏فنحن أيضاً لا نعرف.
‏أَيها الحاضر! تحمَّلنا قليلاً، فلسنا سوى عابري ‏سبيلٍ ثقلاءِ الظل"


هكذا أعود
وأفتح الصفحة من جديد
ربما 
ربما 
ربما ثمة ما يمكن أن نقنع به الشمس أن تعود هي الأخرى. 
وشكرا لسواد الليل، كان لابد أن نلتحف بك كي نفكر قليلا، لربما، أيضا، بزغت نجمة فكرة في الأعالي، وقالت لنا ما نفعل في لهونا الحالي، لربما مر شهاب ساطع وقال اتبعوني للنهر القريب، ولربما غامت السماء قليلا وأفرجت عن حبها لنا فدمعت بالغيث والماء البارد الجميل.
كنا نحتاج لساعة أخرى قبل أن نفيق من كذبتنا، ونقول للواقع: صدقت يا واقع وكذبناك مرارا، لكننا لا نتعلم بسهولة، وعلينا أن نرتكب سهونا مرة تلو أخرى، لربما وصل أحدنا إلى المنبع واستطاع أن يكتشف ما وراء الضباب الذي اخترناه 



الاثنين، يونيو 18، 2012

تساؤلات من كوريا (2)

ليس هناك أقسى من المقارنة بين إنجازين، أحدهما تكلل بالمجد والآخر ظل يراوح في منطقة ضيقة، ويدعى أنه حقق المعجزة كاملة، فيما الواقع يقول بالحقائق بأنه كان يمكن أكثر مما كان
في كوريا الجنوبية كنت مشدوها لإنجاز الإنسان الكوري، ليس لأنه وصل إلى ما وصل إليه من تقدم وأفق مفتوح، بل لأنه استطاع أن يعبر أسوأ مما عبرناه، وأن يكون موضوعا في محيط مضغوط بشتى التحديات ليست الحرب أكبرها، بل عدم وجود موارد للإنتاج، وكثرة في الناس، وضعف في البنى الأساسية
الكوريون تقدموا للإمام لأنهم وضعوا في حسبانهم هدفا واضحا هو أن يكونوا في مصاف الدول المتقدمة، وأن يقهروا الصعاب التي ترميهم إلى خلف الزمن، ولذلك جعلوا من الحرب سببا من عدة أسباب كي يتغلبوا على الهشاشة التي كانوا يعيشون فيها، وألغوا كثيرا من المشكلات التي كانت ستحول دون تقدمهم.
لقد حولوا مشكلاتهم إلى أسباب للتقدم والنجاح، وقرروا أن لا يرتضوا بمستوى عادي، بل لابد أن يصارعوا اليابانيين والصينيين وحتى الأمريكان كي يشكلوا بحد ذاتهم قوة منافسة، ليس على مستوى العسكر، بل على مستوى التنور والديمقراطية
يقول السفير العماني المعتمد في كوريا محمد بن سالم الحارثي بأن الكوريين مزاجهم صعب ولا يرضيهم الشيء اليسير، وهذا هو بحد ذاته ما ساعدهم في أن يتقدموا، ليس على مستوى الحكومة وأفرادها بل على مستوى المجتمع ككل، فكل واحد يطمح في أن يكون مغايرا وناجحا ومتقدما، تجد الأسر تستفز أبناءها من أجل الحصول على فرص تعليمية عالية، مهما كان الثمن، تجد صاحب شركة سامسونج لا يرتضي بأن يكون رقما من أرقام السوق، بل رقما مميزا في سوق متعدد الجنسيات متعدد الأفق متعدد التطلعات، والحال هو ذاته مع مؤسس هايونداي التي نخال بأنها فقط شركة سيارات يمكن لها أن تكون "ماركة" منافسة لماركات عالمية، لكن عندما نقترب أكثر نكتشف أن هايونداي ليست سيارات فحسب، بل هناك الصناعات الثقيلة والتي أبرزها صناعة السفن العملاقة، وهناك الصناعات البتروكيميائية والنفطية، وهناك الكثير والكثير الذي جعل من اسم هايونداي واحدا من أبرز العلامات التجارية على مستوى العالم كله
إنهم لا يريدون أن يكونوا رقما عاديا، أو عابرا، لذلك كانت جامعتهم التي تسنى لنا زيارتها، جامعة "أكياس" أو كوريا الجنوبية الوطنية للعلوم والتكنولوجيا هي الجامعة الخامسة على مستوى العالم بعد أربع جامعات أمريكية، ليس لأنهم يهتمون بالتقنية فحسب، بل لأنهم يفكرون في الغد، يبحثون بشكل متواصل، يعوون بأن العلم هو السلاح الأهم في حياة أي أمة، لذلك ليس غريبا أن تكون في هذه الجامعة وحدها عدة مراكز بحثية لا تنبع أهميتها على مستوى كوريا فحسب بل على مستوى العالم
الجامعة الأخرى التي زرناها لا يستهان بها أيضا، ومن خلال محاضرة شيقة عن كيفية تشكل الاقتصاد الكوري يمكن لنا أن نتعرف إلى أهم الاستراتيجيات التي قامت عليها كوريا الجنوبية، التي يبرز فيها الإنسان كثروة أهم في أول سلم اهتمامات التنمية في كوريا
اليوم هم لا يتحدثون عن منتجات سلعية أو خدمية، بل يفكرون في الإنتاج المعرفي والمساهمة في صناعة المعرفة، وهذا هو التوجه المستقبلي
في المقابل فإنهم لا يكتفون بأن يخرجوا عمالا مهرة أو أطباء أو مهندسين، بل يعتنون بالعلوم الأخرى التي قد يستغرب اهتمام الكوريين بإدراجها في جامعاتهم كالدراسات الشرق أوسطية أو الأفريقية، واهتمامهم بدراسة الشعوب وثقافاتها
ليس ذلك فحسب، بل إنهم يقولون للعقول الفذة من الطلاب من مختلف بلدان العالم تعالوا ادرسوا مجانا، وإن كانت لكم أفكار نيرة فكوريا ترحب بكم، برغم أن تعداد الكوريين يتجاوز الخمسة والعشرين مليون نسمة
ومع كل هذا الانفتاح على أفكار ما بعد حداثية إلا أنهم يهتمون بثقافتهم ويعتنون جيدا بهويتهم حتى لا تضمحل، لا يجعلونها فرجة سياحية فحسب، بل يطبقونها في حياتهم اليومية بشكل أو بآخر، ولا يأخذون قشرتها الخارجية فحسب، بل يضمون بين جوانحهم لبها كقيمة احترام الذات والآخر، والحفاظ على الكيان الأسري، وتنشئة الأبناء على ثقافة مهمة هي احترام النظام إلى حد التقديس، النظام والدقة هما اللذان ينبغي أن يلتفت إليها أي واحد يريد أن يتقدم، وليست قشور الأشياء كما هو حاصل معنا

أنبهر بكل هذا في وقت أجد أن بلادي التي لطالما خلت أنني في آمان فيها، تهديني إحساسا بأنني غير ذلك، فاختراق القواعد القانونية عبر اختطاف الناس من المقاهي والشوارع وأماكن عملهم دون توجيه أي تهم أخذ يشكل قاعدة أساسية لدينا
يحدث ذلك لوجود الاختلاف، وليس الإساءة كما أوضحت البيانات المتتالية للإدعاء العام. وبات الواحد منا يفكر ألف مرة بأنه معرض للاستدعاء أو الاعتقال لأنه قد يكون أبدى وجهة نظر مغايرة، يرى فيها الآخرون تحريضا او تعريضا أو إساءة أو أي تكييف قانوني يقتضي المعاقبة
وعوضا من أن نفكر بصوت عال في مشكلات وطننا ونبحث عن حلول ومرئيات لتعديل السلبيات وتحويلها إلى طاقة إنتاج نستهلك وقتنا في تصرفات كالتي نعيشها في الوقت الراهن
فمثلا نحن نعي اليوم بأن النفط المورد الأساسي لاقتصاد بلادنا يوشك على النفاد، يوشك أن نودعه ونقول له باي باي، فماذا نحن فاعلون بعد ذلك؟ وهل من الإساءة أن نتكلم عن هذه الثروة أو ما تبقى منها وكيفية توزيعها بشكل يضمن لنا غدا أفضل؟ بل لماذا لا نحاول أن نجيب على سؤال مهم هو: ماذا فعلنا بهذه الثروة خلال أربعين عاما الماضية؟ هل بنينا جامعات ومعاهد ومدارس على مستوى عال من التقدم والرقي؟ أين هي البنية الأساسية التي شكلها هذا النفط على مدار الأربعين عاما الماضية؟ هل سنجيب على هذا السؤال بعدما ينتهي النفط ولا يبقى هناك غاز؟
أبسط المشاكل التي نواجهها اليوم هي النظام التعليمي الذي لا ينجب كفاءات بل أناسا لا يستطيعون "فك الخط" في أسوأ الحالات. أين ذهبت خطط التطوير؟ أين النفط الذي سكب من أجل إيجاد نظام تربوي وتعليمي جيد؟ المحصلة تكاد تكون صفرا، ويا للأسف
الأمر ينطبق على النظام الصحي الذي أنشأ مبان ضخمة إلا أنها مصابة بالترهل من الداخل، بل إن العاصمة مسقط لا يوجد فيها مستشفى خاص بأبنائها، وكل مستشفياتها هي لكل أبناء عمان الذين يرون أن مسقط هي الوحيدة التي في نعمة ـ ولهم الحق كل الحق في ذلك ـ وبأنهم مظلومون بمستشفيات فارغة من كل معنى
وقس الأمر على الشوارع التي تقام بنظام التقسيط في بلد لا يصل تعداد أبنائه إلى ثلاثة ملايين نسمة، بل إن إنشاء نفق في الجبال العديدة التي تحيط بنا هو من الصعوبة بمكان لأننا سنفكر ألف مرة: ماذا لو كان التصريف سيء أو حدث ما هو سيء في الداخل كيف يمكن أن نصلحه، بل ربما توقفت الكهرباء وأغلقت المصابيح؟
الكهرباء وحدها حكاية طويلة في بلاد الشمس والحرارة التي لا تستغل، فيما الكوريون يفكرون في البعيد وليس طاقة الشمس أو الرياح فقط، ومشروعهم الثوري مع كل من أمريكا وفرنسا واليابان وروسيا لهو دليل على أن هؤلاء الناس لا يتوقفون عند مرحلة بعينها ويكتفون بها، بل سيندهش المرء عندما يعلم أن مشروع صهر النواة، المفاعل الضخم الذي ينبونه الآن سينتهي العمل به في عام 2040، سنوات طويلة في نظرنا نحن، لكنهم يفكرون في الغد، وبأن من حق الأبناء أن يفخروا بأجدادهم الذين قدموا لهم طاقة نظيفة تعفيهم من مفاعلات نووية ومن انقطاعات متواصلة صيف شتاء
ماذا فعلنا نحن في مقابل ذلك؟
لا شيء يذكر
ويا للأسف

السبت، يونيو 09، 2012

تساؤلات من كوريا (1)

أكتب الآن من كوريا الجنوبية، حيث يمكن مشاهدة كيف يمكن للنظام واحترام الذات أن يصنعا دولة عصرية من لا شيء، الدقة ومعرفة أن العلم هو الطريق للغد جعل من كوريا الجنوبية دولة من الدول الكبيرة في العالم، حيث وبحسب ما أخبرت فإن العاصمة الكورية الجنوبية سيئول هي ثاني أو ثالث أغلى مدينة في العالم، ولم يتأت هذا الأمر هكذا، بل من خلال العمل ومن خلال الجدية في الطرح
واليوم لا أحد ينكر أن أفضل هاتف في العالم هو هاتف ينتج في كوريا الجنوبية، وبأن أفضل شاشة تلفازية هي شاشة كورية جنوبية، وبأن سيارات هايونداي وكيا تحتل المركز الخامس على مستوى العالم، وبأن واحدا من أفضل مصانع السفن في العالم يقع في كوريا الجنوبية، وبأن واحدة من أهم الجامعات على مستوى العالم هي جامعة كورية، تحتل المركز الخامس حاليا مع أنها بدأت قبل ما يقارب من أربعين عاما
أربعون عاما أو لنقل ستون عاما لا تزيد هي عمر هذه الدولة الحديثة المتطورة، وفعليا كانت تحت الصفر أو أكثر، وها هي تتبوأ مكانة عالمية أهلتها أن تستغني عن الموارد الطبيعية وتفعل فعل اليابان فتصبح ما أصبحت عليه اليوم
في المقابل، فإننا وبرغم النفط الوفير، برغم كل الموارد الطبيعية ما زالت البنية التحتية تبنى إلى اليوم مع وجود كثير من الأخطاء الفادحة، وما زالت العقلية العمانية/ العربية تؤمن بأنها أفضل شعوب الأرض قاطبة.
طوال اثنين وأربعين عاما ماذا قدمنا للعالم نحن العمانيون؟ نحن الذين نمتلك تاريخا طويلا من الإنجازات الحضارية التي يشهد لها القاصي والداني على حد سواء؟ بل ماذا نكون جوار دول مجاورة مهما انتقدناها إلا أنها تمكنت من أخذ زمام المبادرة والسير إلى منطقة بعيدة عن المنطقة التي نحن فيها؟
نحن لا نستطيع أن نشق نفقا دون أن نفكر بأنه سيكلف وبأنه يمكن أن ينهار علينا! نحن لا نستطيع أن نفكر في إنشاء جامعة أخرى إلا بعد أن يضج الناس بأن أبناءهم لا يستطيعون مواصلة الدراسة المرتفعة التكاليف، وهي التكاليف التي لم تعد أسرة يفترض أنها متوسطة بقادرة عليها.. نحن لا نستطيع أن نفكر في تخطيط مدينة دون حسابات المصلحة الخاصة، دون أن نوزع الكعكة على بعض الرؤوس، ثم يرمى الفتات الفتات إلى بقية الناس لعلهم يألكونه! نحن لا نفكر في زراعة نخلة أو الاهتمام بها إلا إذا كان ذلك "شو" نقدمها للمقام السامي ومن بعد ذلك نصمت، فيما جيراننا الآن يصدرون تمورهم إلى أوروبا
وأنا الآن في كوريا أضج بالأخبار التي تردني عن سلسلة اعتقالات وعن بيانات وعن تخبط "قانوني" صريح وكأننا لا نتعلم من التاريخ ولا يهمنا أصلا أن نتعلم أو أن نفهم بأن زمن العصا قد انتهى، وبأن التخويف والتكميم ومواصلة نهج وضع لاصق على الأفواه قد ذهب إلى غير رجعة، وبأن الأجيال الجديدة لا هي يسارية ولا هي يمينية ولا هي منتمية إلا إلى ذاتها التي تعي قناعاتها عبر لغة العصر، أو ما يسميه البعض بلغة "أولاد الفيس بوك والتويتر"
يصدر الإدعاء العام بيانا فضفاضا لا يمكن أن تفهم منه ماذا يراد لنا، ويتم اعتقال الناس دون وجود مبررات قانونية سوى أنهم يحبون أوطانهم بطريقتهم التي لا تضير أحدا إلا أجهزة بعينها
ما ذنب هذا الجيل إذا كنتم تصرون على أن تفهمونا بالمقلوب؟ وهل علينا أن نصمت ولا نقول رأينا والنظام الأساسي وسلطان البلاد يخبرنا بأن لا مصادرة لحرية الفكر؟ ثم تلصقون في البعض تهما من قبيل أنهم يشتمون وبأنهم يحرضون وبأنهم يتجمهرون
ما ذنب هذا الجيل إن كنتم توقفتم في منطقة واحدة ولم تعودوا تفكرون إلا بلغة قديمة ترون أنها يمكن أن تحقق كل أهدافكم والتي في واقع الأمر لا أحد يعرفها على وجه الدقة ما تكون
ألا يحق لمواطن أن ينتقد الحكومة وأي وزير ومسئول فيها؟ ألا يحق لأي مواطن أن يبدي شعوره من أمر قامت به أي مؤسسة حكومية في هذا البلد بأي وسيلة متاحة؟ لماذا عندما عبر آلاف العمال العاملون في الصحراء عن استيائهم اعتبرتم من قام بمتابعة أحوالهم بأنهم محرضون؟ وبأن من كتب كلمة واحدة في هذا الاتجاه بات في حكم الإراهابي؟! وهل تتوقعون فعلا أن سلسلة الإجراءات التعسفية الحالية قد تفضي إلى حل؟ هل إسكات الصوت بالقوة قد يحل مشكلة أي مشكلة؟ وهل القوة مع أبناء الوطن المسالمين قد توصلنا إلى نقطة الضوء والمستقبل؟
رزمة تساؤلات ولا أعرف فعليا كيف يمكن الإجابة عليها، ولا أعرف إلى أين يمكن أن نصل؟ هل سنحقق شيئا يذكر في الغد؟ أتحسر عندما أشاهد الصور التي تمثل ماضي كوريا الجنوبية، حيث الدمار وحيث الحرب المقيتة جزت بمنجلها كل شيء، ولم يبق سوى أكوام من الخراب، فيما اليوم هي ما هي عليه من تفوق وتقدم وإنجاز
أتحسر أكثر عندما أعلم بأنها المدة الزمنية إياها تقريبا التي بدأنا نعمر عمان فيها، تلك التي بدأت بها كوريا الجنوبية مسيرة تفوقها وتقدمها ومنجزها، ولا أحد يأتي ليقول بأنهم "غير".. لنكف عن غرورنا بأننا الأفضل وبأن الله منحنا نعمة الإسلام ويكفينا هذا، فصدقوني إن الله يختبرنا بأن جعلنا مسلمين.. والله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم
وللحديث بقية

الثلاثاء، أبريل 10، 2012

فخار يكسر بعضه: عن النادي الثقافي ولقائه بالمثقفين والمسرح وخيبات لا تنتهي


بداية أرجو ألا يقرأ البعض هذا الكلام على أنه حالة من حالات تصفية الحسابات، فحتى الآن لم أشعر أن لي حسابات مع أحد كي أصفيها، ولا ينتابني شعور بالعدائية تجاه الآخرين، ولكني منذ بدأت الكتابة أشتغل على مساحة الحرية التي لا تنتقص من مقدار أحد فما بالكم بجهوده؟ أشتغل على زاوية الاختلاف، ومن أنه ضرورة ملحة كي نصل إلى رأي توافقي ليس شرطا أن يتبناه أحد، ولكن من الضروري جدا أن يجد رأيك طريقه إلى النور، فلربما مر أحدهم ووجد شيئا قد يفيد "القضية"

قبل أيام قام النادي الثقافي ممثلا في إدارته بالإعلان عن جلسة حوارية "ثانية" مع "طبقة" المثقفين بالسلطنة، ووصلت إلى هاتفي الدعوة من قبل النادي، ثم تم تأجيل الجلسة إلى نهاية الشهر

الجلسة الأولى كانت قبل عام وكنت خارج البلاد، وفي كل الأحوال لم أكن لأحضر، إذ إن موقفي كان واضحا تماما: المؤسسة التي تلغيك وتلغي حقا من حقوقك لا ينبغي التعاطي معها بأي شكل من الأشكال.. منذ أن أعلنت إدارة النادي الثقافي السابقة إلغاء أسرة القصة مع أسرتين أخريين؛ وأنا لم أدخل النادي الثقافي إلا ثلاث مرات فقط، ولعمل حتمه مهرجان المسرح العماني الرابع، ولولا اختيار النادي الثقافي مكانا لإقامة بعض من الفعاليات التي وبحكم اشتراكي في بعض لجان المهرجان كان لابد من حضورها لما وطئت قدماي النادي الثقافي مطلقا

لا يظن أحد أن هذا هو موقف عدائي ضد النادي الثقافي أو إدارته، ولكنه موقف أؤمن به ومن حقي أن أعبر عنه، ما دام هذا الأمر لا يسيء لأحد، ولا أظن أيضا أن أحدا سيفتقد وجود شخص مشاغب تعود الآخرون أن يكون هو زاوية الاختلاف المتواصلة، الأصدقاء كانوا أم غير الأصدقاء

طبيعي جدا ألا أذهب وأحضر إلى ما يقيمه النادي الثقافي، فهو من وجهة نظري خرج عن إطار وظيفته التي يختص بها، وهي هنا استقطاب المثقف أيا كانت نوعية هذا المثقف، وأصبح مؤسسة تريد فرض ما تريد من توجهات وسياسات وكأن المثقفين قطعان من الماشية (صحيح أنهم لا يستحقون العناء الكثير، ولكن من الناحية الإنسانية لا يمكن اعتبارهم "ماشية" يمكن أن تذبح في الأعياد)

المشكلة الكبرى أن الإدارة تغيرت وجاءت إدارة كان يمكن أن تصوب اخطاء من سبقوا، أقول أخطاء لأن الاجتهادات عادة ما تكون مشكورة، ولكن الأخطاء المتعمدة، الأخطاء ذات الصبغة الفردية هي التي تضيع جهود السابقين وقد لا تجعل لمن سيأتي من مساحة اجتهاد إن كانت هذه الإدارة لا تود أن تفعل شيئا يصحح الوضع السابق، ليعود النادي فعليا إلى وظيفته الاختصاصية الأساسية: ارضية للمثقف العماني يمارس فعله الثقافي دون تدخلات تكاد تكون سمجة

أتذكر في هذا المقام، ما فعلته إدارة من الإدارات عندما طلبت من ضيوفها الشعراء ألا يتطرقوا إلى الانتفاضة الفلسطينية فما كان إلا أن فضحتهم شاعرة من الضيوف وعلى الملأ، فضيحة لو أنها حدثت في الوقت الراهن لكانت سمعة بلد بأكمله على المحك..

لكن من جاء بعد تلك الإدارة أصلح كثيرا من العلاقة المتوترة مع المثقفين العمانيين، واستقطبهم بشكل إيجابي، بحيث باتت السنوات التالية سنوات جميلة من ناحية ما يقدم في النادي الثقافي، وتم تأسيس قاعدة استفادت منها الإدارة اللاحقة في إنشاء مشروع كالبرنامج الوطني لدعم الكتاب مثلا، وهي ذاتها الإدارة التي عادت لتضع العلاقة مع المثقف في الزاوية الخطأ عندما انتهجت أسلوبا دكتاتوريا وإقصائيا بكل ما تحمله الكلمة من دلالات، لتفرض كلمتها ومشاريعها التي تبدو مفرغة من معناها الثقافي، لاسيما عندما شكلت لجنة سميت بلجنة الإبداع تعمل على إقامة فعاليات ثقافية متعددة، تشمل الأدب والفكر وكلام سخيف كثير.. تلك اللجنة ذوت مع الوقت، بل أخذ أعضاؤها في الانسحاب واحدا تلو الآخر، وربما بقي الآن فرد أو فردان يعملان فيها، وربما يعلمان أنهما لن يصلا لشيء ذي قيمة فعلا.

حتى مشروع المائة كتاب أو المشروع الوطني للكتاب، بات مشروعا مهلهلا ولا ينتج ما يجعله مشروعا تنويريا جميلا، بل إن بعض الحالات التي ينشر لها، تبدو حالات مجاملة لا قيمة إبداعية ولا فكرية لها، لمجرد أنها قريبة من أحدهم وتربط صاحبها بعلاقة وثيقة بأحد العاملين سواء في اللجنة أو في النادي

أقول هذا الكلام وأستعيد بداية هذا الحديث، وهو عن الاجتماع المزمع عقده مع مثقفين ومتنورين عمانيين ليضيئوا مشوار النادي الثقافي ويقيموا السنة الأولى على ما يبدو من تجربة الإدارة الجديدة، وأضع تساؤلات حول فائدة مثل هذا الاجتماع التشاوري في ظل رفض قدمته إدارة النادي الثقافي فجأة لعدد من المسرحيين (والمسرحيون مثلهم مثل كتاب القصة والشعر والسينما والبطيخ مثقفون) بعدما أعد المسرحيون عدتهم للالتقاء بالنادي الثقافي الذي يفترض به مكان لالتقاء المثقفين إن لم اكن مخطئا! علما بأن جملة المسرحيين الذين أرادوا هذا اللقاء كانوا يودون فعليا أن يكون النادي الثقافي سواء ممثلا في إدارته أو في لجنته المسماة لجنة الإبداع (أو أيا كان اسمها) هم المنظمون الفعليون لمثل هذه الجلسة التي يريدها المسرحيون

جاء الاعتذار في وقت حرج، بعد عدة محاولات من قبل بعض من يسمون أنفسهم بالمسرحيين، لإجهاض اللقاء. اتصالات متوالية، حتى قرر النادي الثقافي أن "يبعد عن الشر ويغنيله" وكأن النادي الثقافي لا يملك القدرة على أن يقوم بفعل إيجابي، وكأنه لا يملك صوتا وقدرة على تسيير نفسه إلا عندما يتعلق الأمر بإقصاء المثقفين.

وعوضا أن يحتضن النادي الثقافي هذه الجلسة الحوارية يعتذر ليحتضنها ناد رياضي لمجرد أن أحدهم يؤمن بالقضية المسرحية، وله في كل الأحوال الف تحية وسلام لأنه أراد إتمام فعل ثقافي جدير أن تحتضنه المؤسسات المعنية، والنادي الثقافي أولها

هل يا ترى أن النادي الثقافي سينجح في لقائه التشاوري مع المثقفين الذين سيأتون؟ كيف له أن ينجح وهو يمارس وظيفة الوصي، والإقصائي في وقت واحد؟ كيف له أن يمارس الدورين: احتضان المثقف ونبذه في وقت واحد؟ أم أنه ضحك على الذقون؟ ذقون المثقفين الذين كثيرا ما يهرول بعضهم لمثل هذه اللقاءات؟

بالمناسبة، قبل عدة سنوات كنت واحدا من المهرولين، لأني كنت وقتها متفائلا بالدور الطليعي الذي يمكن أن تقيمه مؤسسات كالنادي الثقافي، وحتى المثقف. اليوم كفرت بكل ذلك، بالمثقف ككيان قادر على التغيير الإيجابي في مجتمعه، وأخذت أردد: فخار يكسر بعضه!

فخار يكسر بعضه أيضا لكم أيها المسرحيون، الذين تتقاتلون من اجل رئاسة زائفة، من أجل مناصب تعيسة ولا قيمة لها، الذين لا يفعلون شيئا سوى التشكي والثرثرة المجانية، الذين همهم دعم وزارة التراث والثقافة ولا يبدأون بأنفسهم فيجتهدون في الفعل المسرحي، ليقدموا للناس أعمالا ترقى بهم لا تنحط وتجعلهم في أسفل سافلين.

وفخار يكسر بعضه لجمعيات لا قيمة لها، جمعيات ينبغي إغلاقها وتسليم مفاتيح مقارها لأصحاب الهم الحقيقي: المعوقين، حماة البيئة، الأطفال، فريق الرحمة، مرضى السرطان والسكري وغيرها..

جمعيات لم تقدم شيئا لمجتمعاتها لا ينبغي أن تستمر، وعلى الجهات المعنية أن تغلقها، وتكفنا من إهدار الأموال فيما لا فائدة منه ولا قيمة تذكر.