السبت، مارس 17، 2012

عن التربية للمرة الألف

تسنى لي خلال الأسبوع الأول من مارس الجاري، المشاركة في مهرجان المسرح المدرسي الثالث، الذي تنظمه وزارة التربية والتعليم، لأحضر اجتهادات جميلة تمنيت لو أنها كانت هي اجتهادات مهرجان المسرح العماني. اجتهادات تؤكد وجود رؤى مسرحية تؤسس لحراك جميل مستقبلا،لو تم الاعتناء بها بشكل جيد
كنت أعقب على أحد العروض، وكان مخرجه واحدا من الشباب الذين تعرفت عليهم من خلال المنصة ممثلا، ولأنه عامل في السلك التربوي فجيد أن يكون متصديا للاشتغال على الخشبة المسرحية، مخرجا في هذه المرة، ومعطيا طاقاته التي تعلمها في مجال المسرح، مدربا بها طلابه الموهوبين الذين يمكن لهم أن يكونوا في الغد هم طاقة المسرح العماني الكبيرة
تفاجأت بداية من العرض الذي عقبت عليه، كونه عرضا محملا بطاقات تجريبية على المستوى الإخراجي، مما يدل على الطاقة التي يمتلكها المخرج أولا، والذي كان يريد أن يخرج إمكانياته وقدراته ويطعيها للطلاب
كنت أعتقد أن البداية ينبغي أن تكون مع فهم المسرح من قبل هؤلاء الطلاب، ولكن لعلي رؤيته، وقناعاته التدريبية، ومن الجيد أن الطلاب قادرون على الهضم السريع والممتاز لمثل هذه المعطيات التجريبية التي اختارها المخرج
ظننت أن هذا الخروج "التجريبي" من قبل علي ما هو إلا تجربة وحيدة في المهرجان، لأكتشف أن المسرح الذي عرفته في المدارس قبل عقدين من الزمان لم يعد هو ذاته، ولم يعد التربويون يطرحون لا هم ولا طلابهم القضايا التي كنا نطرحها في ذلك الوقت، وهذا على ما يبدو أمر طبيعي جدا، إذ المعرفة توسعت، وبات من السهولة الحصول عليها،ولم تعد الأفكار المطروحة هي ذاتها المطروحة قبل عقود، إنها طبيعة التحولات التي تمر بالعالم كله وليس بعمان ولا بالبلاد العربية التي يعيش كثير من أفرادها في عصر سابق للعصر الذي نعيشه
لذا انتشيت إلى حد كبير بالتجربة المسرحية التي تدعمها وزارة التربية والتعليم، انتشيت لأن الصورة عن الوضع التربوية في البلاد كلها تكاد تكون مغلوطة، ونشاط كالمسرح يؤكد على أن التعليم لم يعد كما كان، بل عكس ما يراد له
لذلك أقول بأنه من الجيد جدا أن يتواصل مثل هذا المهرجان، أن يدخل المسرح للمدارس ويشكل ظاهرة بحد ذاته مثله مثل أنشطة الكشافة والمحافظة على البيئة المدرسية!

***

إلا أن العرض الختامي، العرض الشرفي، جعلني أغلي من داخلي، وجعلني أقول لأحدهم: هذا عرض "قلة أدب" واحتقار واضح ليس للماضي، وإنما للمستقبل
ولكي أوضح الفكرة أكثر أقول:زمن الضجيج عمل مسرحي لمحافظة مسقط، عرض شرفي لم يدخل المسابقة من الجيد أنه لم يدخلها، لأنه قائم على الاستهتار، قائم على فكرة غير تربوية تقول لك بأن كل تاريخك مدنس وحقير وسيء، ذلك التاريخ الإبداعي الذي لا يمكن أن نعيشه لأنه تاريخ مجون وقتل وسلب واستهتار، فيما زمننا اليوم هو الأفضل، زمن حسين الجسمي واللعب وعدم القراءة
لو أنها كانت فكرة تعبر عن وجهة نظر في مهرجان مسرحي للكبار لقلت: لا بأس، ولكنني على خشبة المسرح المدرسي، حيث الفكرة الأساس هي التربية، هي تعليم الطلاب شيئا مفيدا وجعل شخصياتهم شخصيات متزنة معطاءة قادرة على الإنتاج المثمر. ما حدث هو عكس ذلك تماما، عرض لا يكتفي بالاحتقار بل يعمد إلى التشويه وإعطاء الطالب معلومات مغلوطة، لا تكتفي بكون أن المنفلوطي بين ليلة وضحاها أمسى شاعرا، ولا يكتفي بأن أحمد شوقي بات أحمد شريف أو أحمد شوكلاته! ولا أن الشنفرى والصعاليك من ورائه ما هو إلا مجرم عربيد قاطع طريق، وطرفة بفتح الطاء بات طرفة بضمها، وعنترة الشاعر الثوري العظيم كان عنتر الذي عقدته الكبيرة عدم تزويجه بنت عمه وعدم اعتراف والده به! بل يعمد أيضا إلى جعل طالب، تلميذ صغير لم يصل سنه القانونية بعد،جعله سكيرا على الخشبة، في فعل يتنافى مع الأبعاد التربوية مطلقا
أتذكر أن شخصية السكير لم تكن مسموحة في المسرح الجامعي إلى وقت قريب، فما بالكم بها في مسرح تربوي يهدف إلى شحن الطالب بالطاقات الإيجابية والأخلاق الرفيعة؟
فوق ذلك، المسرح هو الأداة المثالية ليتعلم طلاب المدارس اللغة الفصحى، والنطق السليم للحروف، ولكنني رأيت كيف تكسر اللغة، وكيف تؤكل الحروف، علما بأن كثيرا من المشرفين على العرض هم مدرسو لغة عربية وخريجو أقسامها، وبعضهم يمثل بالفصحى فكيف تجوز مثل هذه المعادلة الصعبة؟

***

عندها اقتنعت أن التربية تعيش أسوأ مراحلها، وإن لم تنتبه وزيرة التربية والتعليم إلى ضرورة إصلاح المدرسيين والتربويين وتعديل مفاهيمهم تجاه هذه المهنة الخطيرة فإن أيا من إصلاحاتها الحالية ستذهب أدراج الريح
وإذا كانت مادة كالتربية الإسلامية، ونظام الامتحانات والنجاح والرسوب قد أعيدت كلها إلى سابق عهدها فإنه من الضرورة الملحة جدا أن تنتبه الوزيرة الجديدة إلى اللغة العربية، باعتبارها الأداة والوعاء الثقافي الذي يجعل مادة كالتربية الإسلامية ـمثلا ـ تحقق ركائزها التي أوجدت من أجلها.
وأنتم أيها المدرسون: قد تعاطفنا معكم كفاية، ولكن آن الأوان أن تبادلونا قليلا من رد التعاطف، بأن تكونوا أكثر قابلية للثقة، وأن تكونوا رسلا يأمن المرء على أبنائه بين أيديهم، ولتعلموا أن المكاتب والطلبات الشكلانية التي طلبتموها ليست هي الأساس، بل أنتم الأساس، وأنتم مربط هذه القضية الشائكة، فكونوا أهلا للأمانة التي اخترتم أن تحملوها ولم يخترها أحد لكم....

الاثنين، فبراير 27، 2012

طالب ومعلم وأسرة ووزارة

أتذكر عندما كنت في سنواتي الأخيرة من مرحلة الدراسة ما قبل الجامعية، كان يروج بشدة للنظام التدريسي الجديد: النظام الأساسي، الذي بموجبه سيتم تغيير مفاهيم تربوية وأسلوبية كثيرة في الحقل التدريسي. أتذكر أنني سأكون خارج المنظومة الجديدة، حيث المدارس التي سيكون فيها الوقت ممتدا حتى الثانية ظهرا، وستكون هناك فسحتان، وستكون هناك مختبرات متعددة، وسيتعلم الطلاب أساسيات الحاسب الآلي، وستكون حصص التربية الفنية والتربية الموسيقية والتربية الرياضية أساسية، ولن يأتيك مدير المدرسة في حصة جميلة جدا تحبها للغاية وهي حصة التربية الفنية ليقول: سنحول هذه الحصة لمادة أخرى كاللغة العربية مثلا، أو الرياضيات، أو استبدالها بحصة عامة لترسيخ مفاهيم الصحة والنظافة المدرسية (خاصة مع اقتراب مواعيد المسابقة التي تقام كل العملية التربوية على هامشها)
كنت أتحسر بالذات على حصة التربية الفنية، المادة التي كنت أظن لحين تخرجي آنذاك أنها ستكون كل مستقبلي اللاحق.. أتحسر لأن حصتين في الأسبوع لم تكونا كافيتين لي، ولأنني كنت أريد أن أرسم، أكثر من أن أفهم لماذا أبا خالد دمر بيت أحدهم؟ لماذا حدثت معركة النهروان؟ لماذا انهار العالم الإسلامي أمام المغول؟ لماذا سين وصاد يلعبان بخفة في ملعب احتمالات الرياضيات؟ كانت الحصة الأجمل، وكان معلمو هذه المادة بالتحديد هم أصدقاء أكثر من كونهم يعلمونني "الشخبطة" على الورق. كنت أتساءل: لماذا يصر المدير على أن يضحي بالحصة من أجل أن يذهب المدرس للورشة ليعد نموذجا للوحة تهدى لمدير المنطقة التعليمية، أو توضع على مدخل الباب عندما تأتي اللجان المختلفة؟
ولذلك كنت أؤيد النظام الأساسي للتعليم، النظام الجديد الذي سيتخلص من عقد الدونية لمواد مهمة كالفنون والموسيقى، ولم أكن أعلم أن الزمن سيدور دورته لأكتشف أننا لا نجيد تطبيق المناهج إلا من خلال قشرتها الخارجية فقط
ماذا يعني أن يدرس الطلاب سنوات وسنوات، دون أن يكون لذلك معنى؟ هم ينجحون سنويا، ولا يجدون أي صعوبات تذكر، هم يجدون أن النظام الجديد لا يسألهم: لماذا درجاتك متدنية؟ بل ربما لو تجرأ المعلم ليسأل لكانت تلك تهمة تمييزية لذلك الطالب لا قدر الله
المعلمون بدورهم اكتشفوا خيبة الأمل، ليس في تطبيق النظام فحسب، بل في إدارتهم. ها هم يفقدون قيمة المعلم الذي إن مشى في حارة من الحارات حتى يحتاط طلابه المشاغبون فيتجنبون ألا يلقوا عليه سلاما كي لا يأتيهم تعنيف أو رسالة زجر إلى أهليهم
الأهالي استكانوا لإبرة التخدير: النجاح المتواصل، وظن كثير منهم أن أبناءهم هم المثاليون، برغم أن كثيرا من هؤلاء الأهالي هم متعلمون، متعلمون لا يتابعون ما يقوم به أبناؤهم، ولا يعنيهم حالهم في المدارس ولا يتفرغون له لأسباب كثيرة جدا، الحياة الجديدة فرضتها، وفرضت معها أن تكون أغلب الأمهات ـ خط الدفاع الأهم عن هذه الأجيال ـ مرتبطات بالعمل والشقاء من أجل كسب عدة ريالات لبناء البيت لتسديد ثمن الحياة الجديدة، لشراء بحث معلب، لجلب معلم خصوصي، لفاتورة الهاتف والكهرباء..

صحيح لم تعد الحياة كما كانت، ولكن هل يعني أن نفقد أشياء جميلة كاحترام المعلم؟ ما النتيجة المتوقعة لذلك؟ ما المتوقع عندما يتم إهانة المعلم جهارا؟ أليس فيما يحدث الآن؟ في السلوكيات غير المتحضرة، في الحرق والتدمير؟ في إعلاء الصوت بما لا يفهونه: إسقاط الوزيرة؟
لقد ضاع النظام التربوي تماما، وباتت العملية التربوية جزءا من تهريج سيجني نتيجته المجتمع في آخر المطاف.
والمشكلة أن كل الأطراف هذه المرة تشترك في المسئولية عما حدث، فحتى المعلمون الأجلاء المحترمون، هم مساهمون بدرجة كبيرة في ضياع هذا النظام التربوي، عندما تجد معلما لا يمارس عمله بجدية، عندما تجده يتعامل مع مهنة التدريس وكأنها مهنة كأي المهن، فلا يشكل إلا قدوة سيئة للطلاب، بل قد يمارس سلوكيات أقل ما يقال عنها بأنها قذرة!
حتى أولئك الذين يطالبون بعودة مسمى التربية الإسلامية بديلا عن الثقافة الإسلامية لا يهمهم إلا فرض رؤية أحادية، مع أنني شخصيا لا أجد فرقا كبيرا بين المسميين، فالمهم هو المعلومات والأساليب، وليست المسميات.  وكثير من معلمي الإسلامية هؤلاء لا يمتون لصفة التعليم بصلة، ولا أتحامل هنا عليهم مطلقا، وإن كان كثير منهم بمناداته زيادة حصص التربية الإسلامية يسعى إلى تشكيل وعي ديني وثقافة إسلامية تحصن الطلاب من سلوكيات سيئية فلا بأس، بل هذا هو المطلوب، فالثقافة الدينية الرصينة جزء من الهوية التي ينبغي المحافظة عليها دون مغالاة أو انتقاص
لكن بعضهم، وهم كثر، يرعى أن هذه الزيادة لابد أن تقضي على حصص أخرى كالفنون أو الرياضة وربما حتى العلوم، لأن العلم فقط في تدريس علوم الدين والفقه والعقيدة، وكأننا نعيش في زمن سابق، لا زمن يعتمد على استغلال الفكرة اللامعة من أجل إنشاء مجتمع قوي، هؤلاء يريدون أن يفرضوا كلمتهم من مبدأ حماية الإسلام، والإسلام لم يحم نفسه إلا بالحريات والتسامح والحوار مع الآخر أيا كان.
وفي هذا السياق أيضا وعندما تمت إعادة حصص التربية الإسلامية وتكثيفها أكثر من السابق، نجد أن الوزارة قضت على مادة هي المهارات الحياتية في الصفين العاشر والحادي عشر، وكلفت مدرسي هذه المادة أن يكونوا معلمي تربية إسلامية، من باب أن أكثرهم فعليا كان خريج تربية إسلامية لم تجد له الوزارة سابقا إلا مادة مهارات حياتية
لكن ليس كل هؤلاء أولا مهيأ لأن يكون معلم تربية إسلامية (حتى العاملين في هذا الحقل بالذات) وثانيا: كثير من هؤلاء الذين درسوا المهارات الحياتية لم يتخصصوا في التربية الإسلامية فكيف بهم اليوم يذهبون إلى تدريسها؟ حل تبتكره الوزارة يحدث مجددا خللا جديدا، ولا ندري ما العاقبة فيما بعد
هل سيخرج الطلاب مجددا ليحرقوا المدارس ويقولون: تسقط مديحة؟ ومن مديحة أصلا؟ أليست واحدة من هذا الحقل التربوي عايشت كثيرا من فشله ونجاحه وإخفاقه وارتقائه؟ ألم تتعين قبل عام واحد فقط، بل لم تكمل العام؟ فكيف لها بأن تحل كل مشكلات هذه الوزارة العتيقة؟ إنها لا تمسك عصا سحرية، ولا تمسك عصا أصلا كي تضرب الطلاب الذين لم يجدوا تربية صالحة فكانت النتيجة سلوكيات سيئة..
هكذا سندور في فلك دائرة لا نهاية لها، ربما لا خروج منها، إذا كان كل من فيها غير مستعد لأن يفهم كيف يمكن له أن يحل من الإشكاليات التي تولدت عبر سنوات، وربما تكون سنوات اجتهاد يؤجر صاحبها.. ..



المقال التالي نشر اليوم في ملحق أنوار الصحفي التابع لجامعة السلطان قابوس والصادر عن جريدة الوطن:


طالب ومعلم وأسرة ووزارة
حتى الطلاب، طلاب المدارس، يحتجون، ويرفعون شعار إسقاط الوزيرة (التي لم يمض عليها عام في وظيفتها الحالية، والتي أظن ومن خلال معطيات تحاول قدر المستطاع أن ترفع من قيمة المفهوم التربوي، وتعيد التوازن والفعالية إلى إحدى أكبر المؤسسات الحكومية في السلطنة: وزارة التربية والتعليم) وكل هذا لأنهم "فشلوا" في اجتياز امتحانات كان أترابهم في السنوات الماضية يجتازونها حتى وإن لم ينجحوا فيها!

غاضبون للرسوب، لأنهم لم ينجحوا، ولأنهم أحسوا بأن تغريرا ما حاق بهم كل تلك السنوات التي مضت، وآن وقت اكتشاف الحقيقة، والحقيقة مرة جدا، إذ إن النتيجة ليست رسوب هؤلاء الطلاب وحدهم، بل الآباء والمعلمون أيضا، وبالطبع تطبيق النظام، إذ أن الأنظمة ليست هي الخطأ بمقدار الطريقة التي نطبق فيها النظام أيا كان.

لماذا قد ينجح نظام تربوي كالنظام الأساسي في بلاد كأمريكا مثلا ويفشل تطبيقه في عمان؟ بكل بساطة لأن أمريكا ليست عمان مطلقا، لا ثقافة ولا فكرا ولا نظاما ولا حتى تاريخا

الأمريكي رب الأسرة سيكون مشاركا في المسار التربوي ولن يلقيها فقط على المدرسة، على المعلم، والمعلم هناك لن يكتفي بما تمليه عليه الاعتبارات الوظيفية بل سيسعى في كثير من الأحوال إلى توصيل المعلومات الدراسية بشكل مفيد

ماذا يحدث لدينا نحن؟ العكس تماما: وجدت الأسر العمانية أبناءها ينجحون باستمرار، مما يعني أنهم متفوقون ولا خوف عليهم ولا يحزنون، ووجد المعلم العماني ـ ليس كلهم ـ أن الأعباء الإدارية والتكاليف الإضافية تدفعه إلى أن يطلب من الطالب القيام بأي بحث، المهم تسليم مادة بحثية لن يقرأها في كل الأحوال، ولن يجاري الطالب في حال أنه غضب، لأنه يدرك تماما أنه سيكون المذنب مترسبا في ذاته أن هيبته وقيمته قد تساقطت، والأسوأ أن كثيرا من الأولياء لم يعودوا كآبائهم يساندون المعلم حتى وإن كان مخطئا

الوزارة بدورها شجعت مثل هذا الأمر طوال السنوات الماضية، وكان الخبراء والمشرفون والعارفون ببواطن الأمور يؤكدون النجاح المتواصل، ربما لأسباب شخصية تماما، ويتم حجب الحقائق التي تقول بأن ثمة أخطاء واضحة في تطبيق هذا النظام

كانت مثل إبرة تخدير استفاق منها الجميع مؤخرا، ولكن النتيجة هي نماذج لا تؤسس لخير الوطن، فالتخريب وتدمير الممتلكات العامة التي هي لنا لا لأحد آخر

هؤلاء الطلاب لم يجدوا ما هو أهم من التعليم الجيد، والأهم هو السلوك التربوي الحقيقي، من البيت ومن المدرسة، لذا لا تستغربوا كم الحوادث اليومية التي ترتكب في الشوارع، والتي قوامها شباب لم يتجاوزوا السادسة أو الثامنة والعشرين من العمر، ممن تعود "النجاح" في كل شيء، ولم يواجه "فشلا" واحدا في حياته، وإذا رفضته فتاة أحلامه ـ مثلا ـ قد ينتحر!

الآن لا فائدة ولا طائل من هذا الكلام، بل علينا أن نفكر في الحلول، وأولى الحلول تأتي من البيت، من الأسرة المتعلمة التي توفرت لها فرص جيدة للتعليم، عليها أن تنتبه إلى الأبناء وضرورة تربيتهم التربية الصالحة القائمة على المبادئ القديمة التي تعلمنا جميعا عليها. ثم يأتي دور المدرسة، دور المعلم بالدرجة الأولى، الذي ينبغي عليه أن يفهم أن التدريس ليس وظيفة ككل الوظائف تنتهي بنهاية اليوم الدراسي.



هلال البادي



الأحد، فبراير 19، 2012

العقدة إياها تحل المشكلة

هل الأطباء محقون في الإضراب؟
أقول بأنهم محقون تماما، فمن يقرأ مطالبهم يجد أنها مطالب كل عماني، وليست معنية بهم هم وحدهم، مع أني شخصيا ومنذ زمن بعيد أتساءل لماذا يعامل الطبيب ـ وهو من هو ـ هذه المعاملة التي تفقده بعضا من إنسانيته وكرامته، عندما يعمل لمدة ثلاثة أيام متواصلة ويعطى نظيرها مالا قليلا في هيئة راتب لا يغني ولا يسمن من جوع؟ لو كنت مكان مثل هذا الطبيب لدعيت على تلك اللحظة التي توهمت فيها أن الطبيب يناله الخير العظيم عندما يخدم الإنسانية! كنت سأترك الإنسانية تموت كمدا وغما وأبتعد بعيدا عن هذه المهنة التي تأكلني ولا تبقي مني على شيء!
وأتساءل أيضا: هل مهندسو النفط والمحاسبون والمحامون والقائمون على البنوك أهم من الطبيب؟ أهم لدرجة أنه لا يجد الحافز الذي يجعله يتقبل داخليا تلك التضحية الكبيرة التي يضحيها في سبيل علاج الناس؟
ربما الأطباء أفهم بحالهم أكثر مني، ولذلك لن أتوقف كثيرا عند هذا الأمر، وأعود إلى النقطة التي انطلقت منها في مقالي الماضي: الإدارة، التي بها يمكن أن نحل معظلات كثيرة في قطاع الصحة، بل في كل القطاعات
لو أن لدينا حسا إداريا هل تفاقمت مشكلة مستشفى النهضة إلى الحد الذي وصلت إليه؟ إلى الاكتشاف المؤسف بأن معداته التي تكلفت ملايين الريالات غير مؤمنة؟
لو أن هذا الحس الإداري كان مضبوطا وجيدا، هل كان المستشفى النفسي الجديد سيرمى في آخر الدنيا، حيث ما تزال المنطقة في أول طريق تعميرها، ولا أمل في أن نرى "بيت شعر" قد ينبت في المنطقة التي يتم البناء فيها حاليا ولو بعد عشر سنين
هل لهذه الدرجة يتخوف بعضهم من مريض نفسي؟ ألا يدرك هؤلاء أن أول طرق علاج هذه الفئة هي بإدماجهم في المجتمع؟ بل ألا يدرك هؤلاء الذين يخططون بأن المرضى النفسيين هم أناس كبقية الناس وبأن أمراضهم غير معدية؟ لماذا إذن لا يعزلون المصابين بالسكري مثلا في مستشفيات بعيدة؟ أو مرضى القلب أو السرطان؟
ولو كان هناك حس إداري جيد هل كانت ولاية مثل العامرات ـ وهي المحاصرة بالأودية وسوء التخطيط، تخطيط الشوارع والأسواق، التي ينتظر أهلوها شارعا يبنى منذ أكثر من ثلاث سنين ـ خالية من مجمع صحي لا يضطر سكانها إلى تجشم الصعاب المسائية واجتياز شارع هو "تحويلة" للوصول إلى مستشفى النهضة؟ ماذا عن أيامهم أيام الأمطار والأعاصير والأنواء أو في لحظات إغلاق المعبر الأقرب للمستشفى؟ هل يضطرون إلى صعود شارع يحتاج بحد ذاته إلى كلام مطول؟
الأمر ذاته يقاس على منطقة كالخوض التي من مدة قريبة فقط افتتح فيها مجمع صحي بعدما كان ـ وما زال ـ أغلب المرضى يذهبون في أوقات غير الدوام إلى طوارئ المستشفى الجامعي المنفصل إداريا عن وزارة الصحة، والمصمم ليكون مستشفى تعليميا قبل أن يكون مستشفى يفتح أبوابه الضيقة للناس الكثيرة
إنها فكرة إدارية لو أحسن أصحابها التعاطي معها لكن يمكن أن تخف الشكوى، ومن الطبيعي جدا أن لا تختفي، لأن الناس لا يمكن لها أن تصل إلى درجة الكمال مطلقا، وهو ما يقاس على أناس وزارة الصحة.

* * *
هذا لا يعني أن تكون الشكوى مبالغة.
فمثلا لا يمكن لعقلي تقبل أن يلقى بالذنب على وزير الصحة والمسئولين في وزارة الصحة فيما حدث لمستشفى النهضة، لا يمكن أن أتقبل الكلام الذي يتم تناقله بأن سوء التخطيط هو الذي دمر هذا المستشفى، سوء تخطيط وزارة الصحة بطبيعة الحال. إذ لو كان هذا الكلام صحيحا فلماذا لم يتدمر المستشفى من قبل؟ في ظرف أقسى من ظرف الأمطار الاعتيادية التي مرت بمسقط قبل عدة أشهر؟ لماذا جونو لم يفعل شيئا وهو الأشد والأخطر؟ ومن بعده فيت مر مرورا عابرا لا أكثر ولا أقل..
كان هذا المستشفى في موقع "جيد" ولكنه لم يعد موقعا مناسبا بعد أن كلفت الجرافات ومعدات التشغيل والطرق لإنشاء طريق مهم وحيوي هو طريق العامرات بوشر، هذا المشروع الحيوي "البطيء" كي ينتهي ويخلص بلادا بأكملها من العذاب اليومي الذي يمارس ضدهم لأن أحدا لم يطرح سؤال "ماذا لو" وادي عدي تفجر بضخامة وهدم كل ما بني في سنوات سابقة، وجعل الطريق صعبا للغاية؟
إذن لماذا يطالب البعض باستجواب الوزير وكأنه المذنب الذي وقع بيده على موقع المستشفى أولا، ثم وقع بيده على الطريق ثانيا، ثم وقع بيده على فتح الطريق للماء المنهمر؟!
أهذا ما جاء بكم لمجلس الشورى أيها الأعضاء الأعزاء؟ أن تستجوبوا فيما ليس مهما وتتركوا البحث عما هو مهم؟ لماذا لم تطلبوا الوزير المسئول عن المالية وتساءلوه حول الموازنة العامة للدولة ولماذا ما زال قطاعا التعليم والصحة "ضئيلان" في حسبة الأرقام؟ لماذا لا تطلبون وزيرة التعليم العالي وتناقشوها في الجامعة الجديدة التي سمعنا وعلمنا بها ولا نرى شيئا على أرض الواقع؟ لا مناقصات للبناء ولا مواقع ولا خرائط ولا يحزنون؟ لماذا لا تستجوبون وزير التجارة والصناعة عن الأسعار المبالغ فيها والتي تقصم ظهر أي عماني يحلم بأن يكون الألف الذي يتقاضاه ألف "حلال" لا يذهب ثمنا في الفراغ؟ فما بالك بالفئات التي هي أقل دخلا بكثير من هذا المواطن المطحون بكل هذه الأسعار غير المنطقية
اسألوا لماذا يتم رفض تثبيت الأسعار، ولماذا يصرون على أن ذلك يخل بمبدأ السوق الحرة، هل هذه السوق الحرة كما يزعمون أهم من مصلحة الوطن والمواطن؟ هل الرأسمالية البغيضة أهم عند هؤلاء المسئولين والتجار ـ بمن فيهم من مسئولين أصحاب مصالح ـ من مواطن يريد تعليم أبنائه، يريد أن يعيش مستورا لا يسأل الناس قوت يومه، أو حاجة ندرك جميعا أن سؤالها بغيض للغاية ويهدم الإنسان من أعماقه؟
هي الإدارة التي يمكن لها أن تحد من إشكاليات كثر كهذه، هي التي يمكن لها أن تصوب مسار الأشياء تجاه الوجهة الصحيحة، والتي يمكن في حال تطبيقها تطبيقا سليما أن توجد لدينا مجتمعا جيدا قابلا لتحمل المستقبل بكل أعبائه.

الاثنين، فبراير 13، 2012

العقدة في سوق السمك

كنت أخذت على نفسي عهدا أن أحاول قدر المستطاع عدم الكتابة عما يدور في الشأن العماني، شأن هذا الوطن البائس المترع بالمشاكل والإشكاليات، كنت عاهدت نفسي ألا أدخل نفسي في قمقم لا علاقة لي به، قمقم المشاكل التي لا تنتهي، وعندما تتحدث عنها بكل شفافية يأتيك أحدهم فيقول لك: بسكم، ما شايفين غير الجانب السيء، وما تشوفوا المبهج والمضيء، أنتم أناس سلبيون وعاقون لحقوق هذا الوطن، مجموعة من الثرثارين الذين كلما أعطوا من خير؛ صاحوا: أين هذا الخير الذي تتكلمون عنه؟
أردت أن أرى الكأس من جانبه الممتلئ، فلم أستطع، لم أجد امتلاء، وإنما نقاط مضيئة تحيط بها نقاط سود هائلة، لا يرتجى مسحها بسهولة، لأننا ـ مجتمعا وقيادة ـ نؤمن قطعا أننا عال العال، وليس هناك أفضل مما كان
صبرت شهرا، وشهرين، وثلاثة، ثم وجدت أنني أكذب على نفسي، وأنافق وطني عندما أصمت لرؤية ما ينبغي نقده، وما ينبغي الحديث عنه، من سلبيات سيأتي الوقت وتقصم ظهر البعير والناقة وصاحبهما دفعة واحدة، كما حدث قبل عام عندما ضج شباب بما يحدث لهم، ولم يعد باستطاعاتهم أن يصدقوا الصناعة الإعلامية التي تقول لهم ليل نهار بأن عمان مجتمع نظيف ومسالم وطيب وحباب وبلد المعجزات العديدة في زمن انتفت فيه هذه المعجزات، فثاروا وأعلنوا بالصوت العالي: كفى تزويرا للواقع، كفى كذبا.. عمان تتجه للهاوية ونحن معها إن لم تكفوا عن هذا النفاق
حسنا..
سأنكث بوعدي لذاتي، فهي التي وعدتها ولم أعد أحدا غيرها، وسأعود للكتابة، الشيء الوحيد الذي أتقن فعله بشكل جيد، ولحسن الحظ لم أعد أحدا بأني سأنزوي في حال سبيلي....

* * *

ما دام الأمر كذلك فما الذي ستكتب عنه في أول عودتك للكتابة؟
لماذا لا أبدأ بالكتابة عن الصحة؟ خاصة أن إضراب الأطباء الشرفاء ليس ببعيد، ولم ينته فعليا، فهو معلق حتى أجل مسمى بعده إما العودة للاعتصام وإما التصفيق للحكومة التي تنصت وتسمع وتحاول أن تبذل قصارى جهدها كي تحقق "مطالب" الشعب المسكين
أمس، كنت ذاهبا لمستشفى خولة المتخصص في العظام والحروق والتجميل، كنت في موعد في عيادة العظام، وخلتني داخل سوق سمك، أحاول أن أشتري سمكة صغيرة جدا بمبلغ هائل! كان الموعد الساعة الحادية عشرة صباحا، وقد قلت في نفسي فلأذهب مبكرا ساعة من الزمان سأقرأ فيها مجلة العربي العلمي الجديدة، ريثما يصل دوري في موعده بما أني متقدم هكذا.
هذا في حال أنهم لم يدخلوني إلا على الموعد الذي تنص عليه الورقة
مرت الحادية عشرة، وتلتها الثانية عشرة، والواحدة ظهرا، ثم أسأل الممرضة التي في الاستقبال: هل كسر جل أهل عمان اليوم، وحولوا هنا؟ فأجابت: الوقت غير مهم في الحكومة، لا الوقت ولا النظام؟!! هذي أوراق مرضى محولين منذ أسبوعين.. فهمت من كلامها أن مرضى هذا اليوم متكدسون منذ أسبوعين، وربما كانت قرعتهم في هذا اليوم، لتتحول عيادة العظام المتخصصة إلى سوق سمك، يفلح من سيمسك بأعصابه أن لا تتلف جراء الانتظار إلى ما لا نهاية
الممرضة إياها على نهاية دوامها تبتسم لي وترشدني للطبيب وتعتذر وكأن الخطأ منها ليس من النظام الذي لم يحسن تدبير الأمر منذ البداية.. ساعتها قلت: تحية للأطباء العمانيين الشرفاء الذين ينبغي مساندتهم كي تتحقق مطالبهم التي تصب في صالح كل عماني
كيف لعيادة تخصصية جدا أن يكون هذا التكدس حادثا فيها؟ كيف لمستشفى كمستشفى خولة المشهود له بالكفاءة أن يعيش جوا من سوء النظام الإداري؟ الأزمة ليست كفاءة طبيب، إنما سوء إدارة أودى إلى ظاهرة الاحتجاج والاعتصام

* * *

بحكم عملي في جامعة السلطان قابوس، أدرك تماما مدى نباغة طلاب الطب، لدرجة أن جامعات عريقة في كندا وأوروبا تطلب هؤلاء الطلاب للتدريب لديها، طلاب نابغون سرعان ما يتم توجيه تهمة الإهمال إليهم بعد أن يذهبوا للعمل في "شركة" المستشفيات الحكومية، دون أن نفهم أن العقدة ليست في هذا الطبيب الذي دخل الجامعة وهو يمتاز بذكاء عال، ودرجات كبيرة أهلته للدارسة في الطب
العقدة في كيفية الإدارة، وكيفية التعاطي مع الإنسان ذاته، فأن تتحدث إلى طبيب عماني أفضل ألف مرة من أتتحدث إلى طبيب وافد قادم من "مزارع" الشاي في سيرلانكا والهند والباكستان!
هذا الموقف أتذكره جيدا عندما مرضت والدتي بالسرطان، فكان الوافد غير كفء في إدارة حالتها الصحية، فيما العماني ـ وكان وقتها طالبا في سنة الامتياز ـ يحاورني ويعلمني بحالتها وبما ينبغي فعله وهل هناك إمكانيات للشفاء من عدمه، يتحدث بكل شفافية ويساندك في ألمك ومصابك، وكأنه قريب لك، أخ يسرد لأخيه حالة الأم المريضة التي إن لم تفلح الأدوية الكميائية معها فإن الأمر بيد رب العالمين ولا رجاء من السفر خارجا بحثا عن علاج أفضل
صحيح أن ليس كل الأطباء العمانيين ذوي كفاءة، ولكن الأشياء لا تقاس بالقلة، وإنما بالكثرة، وبالنماذج المشرفة فعليا، ولو أن إدارة سليمة كانت تدير قطاع الصحة لما احتج الأطباء، ولما كانت كمية الأخطاء الطبية لدينا بهذه الوفرة، ولما اتهمت المستشفيات بأنها مستشفيات "جراجات" لا أكثر ولا أقل، كما هو الحال مع مستشفى صحار المركزي

* * *

ما دام الأمر هكذا: أطباء جيدون وذوي كفاءة، فلماذا نتشكى من قطاع الصحة دائما؟ لماذا نطلق عليه وابل الكلام الرصاص، ونسب مؤسساته المتعددة، ولا نعول على العلاج فيها مطلقا؟
العقدة في الإدارة مجددا
لينظر أحدكم عندما يذهب للطوارئ في حالة مرضية ما، ثم يعاود بعد يومين لم يتشاف من حالته المرضية ولم يستجب لأدوية الطوارئ، انظروا كيف أنهم يبدأون معك من الصفر، ولا قيمة لأجهزة الحاسب الآلي التي يفترض فيها تسجيل كل التفاصيل الخاصة بمراجعتك المركز الصحي، المجمع الصحي، في أي مكان كان، في غير أوقات العمل المفترضة، يبدأون معك وكأنك لم تذهب مطلقا لاستشارة طبيب، ولم تأخذ أدوية أبدا، هل يعقل هذا في حكومة تهلل وتكبر للزمان الإلكتروني لدرجة أنهم أنشأوا هيئة معنية بتقنية المعلومات؟
وإذا كان ملفك في مستشفى حكومي ليس تابع لوزارة الصحة فعليك أن تحصن نفسك بالورق، وأن تطالب ذلك المستشفى بصرفها لك إن كنت عازما أن تتوجه لمستشفى آخر، لأن "السيستم" الخاص بتلك المستشفيات لا يتوافق أولا، وليس مربوطا ثانيا مع/ بذلك "السيستم" الخاص بوزارة الصحة
ليست مشكلة كبيرة، فالورق موجود، ولكن هي مشكلة حقيقية إن كانت الأجهزة لا قيمة لها إلا في أوقات الدوام، وأما الطوارئ فلا تسجل بيانات مرضك وعلتك، ومشكلة أعمق إن كنت ستزور مركزا صحيا في ولاية من الولايات سنفترض أنك تزورها زيارة عابرة وحالما تعود لبيت وتزور المركز الصحي المجاور لك تبدأ معهم من الصفر أو ما دون الصفر
ماذا عن الحكومة الإلكترونية؟ ماذا عن البطاقة الذكية التي ندفع لها في مركز الأحوال المدنية مبلغا جيدا من المال كي نستخرجها ولا قيمة لها إلا في معاملات معينة؟ أين هذه الحكومة الإلكترونية إن لم يكن هناك ملف صحي لكل فرد، حالما تضع الرقم المدني في الجهاز ـ وإن كان في سفارة عمانية بأقصى بقاع الدنيا ـ يستخرج لك كل ما توده من معلومات صحية؟

* * *

ليست المشكلة في الفكرة، وإنما المشكلة في الإدارة، فالملايين وجدت لتصرف، ولكن يبدو أن مردودها هو "إعلامي" بحت، وقشرة خارجية لا تقدم شيئا حقيقيا
المواعيد قصة بذاتها، قصة عجبيبة سردت لكم بدايتها في العيادة التخصصية التي يفترض أنها تستقبل حالات قليلة، فليس كل أهل عمان مصابون بالكسر كما ظننت، ولكن "قرعتهم" وضعتهم في ذلك اليوم فقط، لأظن أنه سوق سمك
اليوم يطلبون منك أن تتصل كي تحجز موعدا، ولكن الهاتف مغلق أو معطل أو لا أحد يرد، وعندما تزورهم وأنت منهك يطالبونك بالموعد، وعندما تتعذر بكل الأعذار المشروعة، يطلبون منك أن تحجز موعدا، فهل يحجز المرء موعدا مع المرض؟ وهل هذا المرء مطالب بأن يخترق الحجب فيعلم إن كان الهاتف يعمل أم لا يعمل؟
وحجزت موعدا، وعندما تبكر ولا حاجة لدى الطبيب ينبغي عليك انتظارها سيقال لك انتظر موعدك حتى يأتي، وعليك أن تصبر، والصبر شيمة يجيدها العمانيون على ما يبدو بشكل كبير
طيب، موعدي جاء فلماذا لا أدخل؟ ثمة حالات كثيرة قبلك! ما ذنبي كي ينتهك حقي هكذا؟ ما ذنبي كي أعيش غباء الإدارة التي تجعل العماني يعتقد أن مراكز التداوي بالأعشاب هي أحسن حالا من أي مستشفى جهز بما لم تجهز به مستشفيات أخرى؟

للأسف الشديد: هي عقدة الإدارة التي لا نحسنها، وعلى العماني أن يطلب الصحة ولو في الصين، وأن لا يعول كثيرا على منظومة بلاده الصحية، فهي أقرب للفشل منها للنجاح، مهما أعطيت من شهادات دولية تؤكد عكس ذلك

وللحديث بقية

الأربعاء، يناير 25، 2012

إلى شباب الثورة مع التحية: الف تهنئة

توقفت عن الكتابة محبطا من سوء حال الحريات في الأرض العربية، ولكنني في الوقت ذاته كنت أنتظر لحظة العودة كي أكتب وأعبر عما في داخلي
اليوم أعود للكتابة، في اليوم الذي شهد قبل عام ثورة هي من أهم الثورات في العالم، ثورة الشباب المصري ضد الاستبداد، ضد هدر الكرامة، ضد الإهانة المستمرة للمستقبل، للفتوة التي تريد أن تضع لها قدما على أرض صلبة بعد عبور جزيرة الضباب: المستقبل.
شباب مصر: شكرا لكم، لأنكم أعدتم إحياء الروح، وغيرتم كثيرا مما كنا نعتقده ثوابت لا يمكن زحزحتها بسهولة، واولها: الانتفاضة ضد الطغيان، ضد الاستبداد، ضد الاستعباد. شكرا جزيلا بحجم السماء والأرض لأنكم أثبتم أننا يمكن أن نتغير، ونغير، ونعدل من أوضاعنا السقيمة، ابتداء من أنفسنا وليس انتهاء بإسقاط الديكتاتور
بن علي هرب، وتحرر شباب تونس، تحرروا من الإهانة المتواصلة لهم، تحرروا من الضعف، وأثبتوا أن لا مستحيل عندما تضرب اليد فتكسر القيد، وتعيد صياغة التاريخ
يناير شهر مبارك، يناير شهر عظيم، وأنتم أعظم ما به، يا شبابا ينبضون بالحب والتفاؤل والقدرة على اجتراح المستحيل، وطبعا لا بن علي ولا زميله مبارك هم المستحيل بأي حال من الأحوال
قلت سأكتب في الرابع عشر من يناير، لكنني أخرت حتى هذا المساء، فكتبت مهنئا كل الشباب الذين لا أعرفهم في ذلك الميدان، ميدان التحرير، منتظرا لحظة أهم في كل من دمشق وصنعاء والمنامة، وهي لحظات ستأتي بكل حال من الأحوال، قريبا سيكون ذلك بإذن الله.
هذا كل ما في هذا المساء الجميل ....

الأحد، أكتوبر 02، 2011

الزاوية الخطأ


لم تعد المشكلة مرتبطة بجريدة أو حرية أو عدالة، بل باتت الآن قضية مستقبل وطن، حيث غموض هائل يلف البلاد في القريب العاجل، لا لشيء، وإنما لأن الشك داخل القلوب، وأمسى المواطن غير متيقن إن كان يستطيع أن يأخذ حقه من خلال القضاء والقانون، بل يخامره الشك بأن كل هذه القوانين تم اختراقها وبأن القضاء لا يمكن له أن يحقق ما تصبو إليه النفس

غدا إذن، نحن على موعد مع الغابة، عندما يبدأ المواطن في التفكير بأن الحياة لا عدالة فيها ولا حرية، وبأن ساعديه هما اللذان يفترض بهما أن يأخذا حقه المهضوم، حقه المسفوح عن قدمي المرأة العمياء

لم أكن أفهم كثيرا لماذا العدالة هي امرأة معصوبة العينين؟ لكنني اليوم بت أفهمها بطريقة سلبية: هي تغطي عينيها لكي لا ترى الظلم يسود، او يسقط على أحدهم.. معصوبة العينين لا تفرق بين كبير وصغير (هذا ما يفترض) ولأنها كذلك فإن المواطن عليه أن يخاف منذ اليوم، عندما يتعلق موضوعه مع مسئول كبير وذي نفوذ قبلي هائل

الآن سيعود الأبناء لشيوخ قبائلهم من أجل أخذ الحقوق التي لهم، وسنعود كرة أخرى إلى حل المنازعات بالطرق القبلية العتيقة التي لا تتوافق مع معطيات القرن الحادي والعشرين

ماذا عمن هم بلا قبائل؟ ممن ينعتهم المجتمع على أنهم طبقة أقل؟ بالتأكيد لن يطالبوا بالعودة إلى نظام الحماية القبلية الذي قد ينتهك كثيرا من كرامتهم، ولذلك لا تستغربوا أن يلجأ الناس لاحقا إلى تشكيل عصابات تنبأت بها الحكومة عندما قامت بنشر مادة خبرية عن عصابة التنين إبان مواجهات صحار

هكذا تنتشر الفوضى، ولا نعود قادرين على أن نحمل أنفسنا للغد، هكذا نعود إلى أيام الفرقة، عندما كانت أكثر من قبيلة تحوز مساحات واسعة من البلاد وتحكمها بعيدا عن الحكم المدني، الذي يساوي بين الناس كما يفترض ويجعلهم أخوة في بلاد الله لا يفرقهم لون ولا عرق ولا مذهب

هذا للأسف ما قد يحدث جراء استقصاد الحرية، وتسييس العدل والمساواة، فإن كنا نريد أن نعيش في مثل هذا الإطار الضيق فلا ينبغي أن نأسى على حالنا، ولا أن نشتم ماضينا الأسود، لأنه في كل الأحوال سيكون أفضل كثيرا من حالنا اليوم، بالمقارنة مع معطيات الوقت الذي نعيشه

بل إننا فرطنا في حقنا بمستقبل جيد، وحق أبناء الغد في أن ينعموا بما لم ينعم به من سبقونا، وبما لم نرد أن ننعم به نحن جراء تصرفات بعضنا الذين يريدون فعليا وضعنا في الزاوية الخطأ
هكذا علينا أن نعد ما تبقى من فسحة النور، فالنفق بدأ يضيق علينا، ونحن لا نتحرك مطلقا، لا نتحرك قيد أنملة

اللاصق لا يدوم


اللاصق لا يدوم

(1)

أن يأتي أحدهم ويقول لك: لابد أن نضع لاصقا على فمك لأنك تتحدث كثيرا وتقول ما ينبغي السكوت عنه، فذلك ليس جريمة بمقدار ما هو اغتيال لحرية المرء، فما بالك عندما يكون هذا اللاصق يراد وضعه على صحيفة لم ترتكب جرما سوى أنها نشرت موضوعا صحفيا "عاديا" ضمن خط إعلامي ينادى به للمرحلة المقبلة من تاريخ هذه البلاد؟ موضوع لم تنحز فيه الصحيفة إلا للوطن والمواطن، ولم تقدم تهما إلى مسئول إلا من خلال وثيقة وشاهد، فإن كانت الوثيقة زائفة والشاهد مزوِرا فهل تحاكم الجريدة بأكملها على جريمة لم ترتكبها ولم تساهم في صياغتها أم يؤتى بمن زيف الوثيقة وزور ويساءل؟

(2)

صحيح أنني إعلاميا أرى أن جريدة الزمن تنشر في بعض الحالات مواضيع صحفية وأخبارا لم تتحل بكامل المهنية الصحفية التي ينبغي أن يضعها كل إعلامي وصحفي في مقدمة أولوياته، ولكن ذلك لا يمكن أن يكون سببا في محاولة غلق الصحيفة، فحتى في حالة عدم المهنية الصحفية أو تغليب رأي على رأي آخر، وانحياز الصحفي إلى المواطن فإن ذلك لا يعني مطلقا المطالبة بإغلاق صحيفة، وحتى هذا الأمر يمكن إيجاد مبرر له: أن المواطن محق والمسئول مدان حتى يأتي بما يثبت براءته

(3)

المشكلة التي نواجهها في بلادنا أنه كما أشار أحدهم في سبلة عمان: لا مكان للمواطن ليعلي صوته، فحتى المواطنون السبعة آلاف أغلق ملف بلاغهم، فيما عجلت قضية مسئول برغم أنه وقت إجازة قضائية

(4)

هذه هي المشكلة في بلادنا: إزدواجية المعايير، و"من بيده القلم لا يكتب نفسه شقيا" يصدق هذا المثل العماني كثيرا هذه الأيام، كما يصدق أن الإعلام الذي هو مرآة للوطن والمواطن، بات مؤسسة علاقات عامة و"مسح أحذية" كما أشرت مرة في استطلاع قامت به المحررة الثقافية في هذه الجريدة المراد غلقها الآن

(5)

ربما بسبب الأحذية اللامعة التي لا يعلق بها التراب، يحاول أحدهم أن يتذاكى فيقول: أغلقوا الزمن

(6)

منذ متى كان يمكن إيقاف الزمن عن مواصلة سيره؟ هذه إجابة محتملة على ذلك الطلب، كما أن هناك إجابات متعددة يمكن قراءتها، أهمها: من يكتم الصوت سيكتم في آخر المطاف، ومن يريد أن يضع لاصقا على الحرية ستسلب منه الحرية ولو بعد دهر، وكما تدين تدان يا إنسان.. لكن اعلم أن الإجابة الأهم في هذا الزمان الثوري هي: لا شيء يوقف مدى الحرية، لا شيء يطمس الحقيقة مهما حاول، ولو كان ذلك حقا هل استطاع الأسبان محو الوجود العربي في إسبانيا؟ اليوم وبعد أكثر من ألف عام يدركون أن إسبانيا ولدت فعليا على يد عربية مهما حاولوا من طمس لتلك الحقيقة الماثلة للعيان

(7)

وفي عهد الصورة، في عهد ويكليكس والربيع العربي وجوجل، في عهد الفيس بوك والتويتر وحركة التدوين لا يمكن أن يثبت اللاصق طويلا، بل إنه سرعان ما يسقط، ككثير من المقولات الفاسدة التي كان يراد لنا أن نصدقها وأن ننام ونحن نحلم بأنها تمام الحق والصدق واليقين

في ذكرى درويش


أيها المارون بين الكلمات العابرة، آن أن تنصرفوا، وتقيموا أينما شئتم، ولكن لا تقيموا بيننا، يا أيها المدعون اخرجوا من جسد درويش، وانصرفوا، اتركوا الشاعر للتاريخ، للشعب، وانصرفوا.. فأنتم لستم سوى هواة تجمعون الفتات وتقولون بأنكم أهل الفقيد.. لا لستم سوى يرقات ناقصة تموت عند أعتاب البقاء..

يا أنت يا فراس وصحبك المدججون برغبة التكسب ولعنة المال.. اتركوا شاعرنا لنا، وانصرفوا.. انصرفوا لخيباتكم اللامتناهية، حيث القصيدة لا مكان لها في دمائكم، لا أنت ولا أنزورك المتهاوي إلى القاع..

واتركوا درويش

اتركوه لنا، أيها العابرون دون جدوى، دون رسالة، دون نتيجة، دون معنى
انصرفوا

آن أن تنصرفوا

وماذا بعد؟

منذ مايو الماضي، عندما بدأت الحكومة الجزء التالي من خطتها الأمنية على ما يبدو في التعامل مع موجة الاحتجاجات "الشبابية" ظن كثيرون أن الأمور مآلها إلى هدوء، وبأن مبدأ الجزرة والعصا لابد أن يؤتي ثماره، وستعود البلاد كما كانت قبل السابع والعشرين من فبراير الماضي: هادئة مطمئنة، كل شيء فيها "تمام التمام" وبأن ما حدث ما هو إلا سحابة "تقليد" أعمى لما هو حادث في الجوار، فالحمد لله البلاد تعج بالخير والهناء والاستقامة، ولا مؤشرات أو أدلة ملموسة على فساد مزعوم أو ظلم واضح وكما كنت أتوقع وأتهيأ، فإن الصورة المراد رسمها على أنها مشرقة وواعدة ما هي إلا أيام وشهور وتنكسر تحت وطأة شباب لم يعش ما عاشه جيل سابق من ضنك في الحياة وصعوبة، شباب جاء للدنيا وهو يرى أقرب الجيران ينعم بكل الخيرات، ويسمع ويقرأ أن بلاده منتج للنفط والغاز ويصرف على احتفالات أعيادها الوطنية المليارات وبأن هناك خططا اقتصادية ضخمة ستحمل المواطن من حالة العوز إلى حالة الاستقرار.. يسمع أن خلايا تجسس تريد هدم هذا الحلم العماني، وبأن مؤامرات تحاك ضد هذا الوطن "الثري" ليس بأمواله ومقدراته الطبيعية والاقتصادية بل بتاريخه وحضارته ومتانة شعبه الأصيل ثم لا يرى شيئا على أرض الواقع سوى مزيد من الضنك، مزيد من التعب، وكأنما على الأبناء أن يعيدوا سيرة الآباء ولو بصورة مغايرة قليلا.. هؤلاء الشباب جرى اتهامهم بأنهم محَرضون من قبل الفيسبوكيين، ومن قبل المدونين، ومن قبل عناصر لا تحمد الله ولا تشكره على الخير الذي تنام عليه، وقيل بأنهم قليلو التربية، لا يعرفون آداب التعامل مع من هم أكبر سنا و"شأنا"
ولذلك حالما يختفي هؤلاء المحرضون، فإن الشباب سيعودون إلى جادة الصواب.. فيما يبدو أنه لا يعكس الصورة الفعلية لما هو حادث على أرض الواقع، فليس كل المحتجين شباب، وليس كل هؤلاء متصلون بالإنترنت أو ينصتون إلى "الناقمين" على حد تعبير بعضهم الصورة الفعلية أن هناك أناس يعيشون وطأة الخذلان، يعيشون واقعا ظالما، لا كرامة فيه، ولا عدالة ولو في أقل مستوياتها.. والناس كانت ترضى ولو بأقل القليل، لكنها تتفاجأ أن كثيرا من الوعود البراقة ما هي إلا خديعة، وما هي إلا "إبرة تخدير" كي يمضي القطار إلى محطته..
طبيعي إذن أن يعلو الصوت، ويستمر في العلو، فإن كان الحل هو المواجهة فلا بأس، لأن المهدر حقه وكرامته لن يكف عن الصراخ في وجهك وفعل ما لا يعجبك.. لا تعد فقيرا أهدرت كرامته، ولا تقف في وجه مجروح يدرك أن جرحه يودي به إلى الفناء، فكلامه قد باع كل شيء ولم يعد لديه أمل، وأمله الآن عندما يخرج صوته هل فكرت الحكومة الموقرة في هذه الحالة الإنسانية؟ هل أعدت العدة المناسبة لمواجهة إنسان يكتشف أنه مخدوع وبأن كل أمنياته لم يتحقق منها سوى الفتات؟ أعتقد أنها ما تزال تنظر بالطريقة إياها، حيث تعتقد أن الناس يمكن تسييرهم إلى حيت تريد هذه الحكومة، ولا يهم ألف أو ألفان أو حتى عشرة من ضمن ثلاثة ملايين يخرجون يصرخون يطالبون ينددون يشجبون يعتصمون، فصورتهم الآن مشوهة وما هم إلا صغار القوم في النظرة العامة وستمشي الأمور كما كانت.. وهي كذلك، بدليل أنه وخلال الأيام المنصرمة، ومع خروج مسيرات واحتجاجات جديدة لم أر في أي وسيلة إعلامية أي تعاط مع الأمر، وكأنه يحدث في اليمن في سوريا في مصر في تونس في ليبيا في البحرين، إنما معنا فإنه لا يحدث، إذ إن كل شيء هو بخير والحمد لله.. ووطننا جميل ولا يحتاج إلى فرد مساحات من النقد، وعلى الإعلام أن يواصل مشروع التجميل والصورة الناصعة

لذا فإن مقالا كالذي أرفقه اليوم لن تجد له طريقا في صحافتنا العمانية، سيما في هذه الأيام حيث يوليو التغيير والثورة والكلام الذي لا يتوقف عن المعجزة التي لم تتوفر في أي بلد من بلدان العالم
ماذا يريد الشباب الآن؟
هدى حمد
ينتعش السؤال في ذهن كل واحد منّا: "ما الذي يدفع شريحة كبيرة من الشباب للخروج إلى الساحات في كل من صحار وصلالة وصور، بعد أن تهيأ لنا أنّ الأوضاع هدأت واطمأنت النفوس لعدة أشهر؟" أين هي المشكلة؟
ربما المشكلة تكمن في الجهات المعنية التي تعمل بصمت، وهذا الصمت هو ما يثير الشكوك، ويشعل فتيل الاعتصامات من جديد.. فالأمر ربما يرتبط إلى حد كبير بالتغيرات التي شهدناها لفترة من الزمن ثم ما لبثت أن توقفت؟ كما أن بعض القرارات الحاسمة لم تنفذ بالسرعة التي ظنناها، وبعضها أوقف!
نتفق تماما أنّ أمورا من قبيل افتتاح جامعة جديدة، أو بنكا إسلاميا يلزمه الكثير من الوقت، ولا يمكن أن يُنجز بين ليلة وضحاها، ولكن ماذا عن صرف 150ريالا للباحثين عن العمل التي استمرت لعدة أشهر قليلة ثم توقفت فجأة من دون إيضاح أو تفسير للسبب؟ ماذا عن تفعيل صندوق الزواج الذي أقرت اللجنة صرف أربعة آلاف ريال للمقبلين على الزواج لأول مرّة الذين لا يتجاوز دخلهم 500 ريال عماني، لماذا لم يُدشن الصندوق إلى الآن؟ ماذا أيضا عن تشكيل لجنة من المختصين لوضع مشروع لتعديل النظام الأساسي للدولة.. كان من المفترض أن تنجز في مدة لا تتجاوز ثلاثين يوما من تاريخ صدور الأمر، وإلى اليوم لم نسمع ولم نرَ شيئا؟ وماذا أيضا عن منح مجلس عمان المؤلف من مجلس الشورى المنتخب ومجلس الدولة المُعين، صلاحيات تشريعية ورقابية.. كيف ستُفعل هذه الصلاحيات، وتُباشر من قبل الأعضاء، خصوصا وأننا نتهيأ لانتخابات مجلس الشورى.. أم أنّ هذه المقاعد ستبقى مقاعد وجاهة لا أكثر؟
هنالك الكثير من القرارات تمت ربما تحت ضغط من الشعب.. كما هو حال الوظائف الذي نخشى ما نخشاه أن تُورطنا في بطالة مقنعة، لذا علينا بالفعل أن نعيد فتح الملفات حول توزيع الخمسين ألف وظيفة للباحثين عن عمل.. هل تمت؟، وهل ذهبت لمن هم أهل بها أم لعب فيتامين "واو" كما يقال دوره مجددا في اللعبة؟
إذن تعود الاعتصامات مجددا لإعادة إيصال صوت الشعب العماني، وإحساسه بعدم اكتمال الطموحات المرجوة، لذا ينبغي على المسؤول أن يمنح المواطن الإجابة الكافية والشافية، وعلى الإعلام أن يعود مجددا ليفتح منابره مع الفئة الأهم في المجتمع "فئة الشباب".. ليستمع إليها جيدا عبر البرامج القوية التلفزيونية من مثل "حوار الشباب"، وبرامج الإذاعة من مثل "منتدى الوصال"، فلا ينبغي أن تُفرغ هذه البرامج من محتواها الحقيقي، لمجرد أنّ الأمور هدأت قليلا.. بل ينبغي أن تقترب من نبض الشارع، وتعرف ما يدور في الخفاء.
الأجدر بالحكومة الآن أن تأخذ نفسا عميقا، وتبدأ جدولة أعمالها وخططها بوضوح تام مع الشعب..لنعرف إلى أين وصلت الأوامر السامية من حيز التنفيذ؟ وذلك عبر الوسيط المرئي والمسموع والمقروء.. فمن شأن ذلك أن يُطمئن الناس.. فالصمت الإعلامي في الأشهر القليلة الماضية هو ما أعاد تدفق الحماسة إلى الشباب. بالرغم من أنه لا ينبغي أن ننكر أنّ البعض ترك وظيفته البسيطة أملا في وظيفة مرفهة، كما حلم البعض الآخر بإسقاط الديون، وزيادة الرواتب، وكأنها الحل الوحيد أمام قفزات الأسعار، وغيرها من الأحلام الشخصية، إلا أنّ هذا لا ينفي أبدا حق المواطن في أن يحلم بوطن أفضل وأجمل، يحلم بمؤسسات مدنية نزيهة تدير عملها بعيدا عن أشكال الفساد والمحسوبيات..
لذا يبقى السؤال الأهم الذي يجب أن تبادر جميع الجهات لمعرفته: "ماذا يريد الشباب فعليا؟"، وكيف يمكن إيجاد وسيلة خطاب بعيدا عن أي شكل من أشكال قمع الصوت؟

الجمعة، مايو 20، 2011

كلمة سريعة لك أيتها الحكومة

سعيد الهاشمي، حسين العبري، بسمة سعيد، خميس قلم، نبهان الحنشي، سليمان المعمري، إسحاق الأغبري وكل واحد وقف ليقول رأيه ويعبر عن نفسه ويبحث في صلاح بلادنا من صور إلى صحار إلى ظفار المجد، ممن أهانته حكومة بلاده، واعتبرته مجرما خارجا عن الطريق "القويم" ممن أعرف وممن لا أعرف ممن دخلوا المعتقلات من اجل أنهم عبروا عن رؤيتهم وقالوا كلمةً لا أظن انها آذتني أو آذت عمان الوطن الذي أظن أنه جميل

كل هؤلاء أفتخر بهم، وأرفع رأسي عاليا أن في وطني المنشق على ذاته لنماذج مشرفة حرة كهذه ـ اختلفت معهم أم اتفقت ـ لم تفعل أي جريمة إلا أنها طالبت بحق وبحرية رأي وتعبير

ما حدث مؤخرا، من حملة موسعة من قبل الحكومة لفض الاعتصامات بالقوة ما هو إلا دليل واضح على ضعف الرؤية التي يتمتع بها نظامنا الموقر، حكومتنا التي لا يبدو أنها ترى أبعد من قدميها

كيف ـ أيتها الحكومة العزيزة ـ تخبرين الناس أن الاعتصام وحرية التعبير وإبداء الرأي كل ذلك مكفول بالقانون وبالنظام ثم تأتين إلى كل هؤلاء المعتصمين لتفضي اعتصامهم بالقوة، قوة الجيش والأمن، وتوجهين للناس تهمة جاهزة: التجمهر؟ هل يعني هذا أن تلاقي الناس عقب صلاة الجمعة والعيدين وفي المناسبات الاجتماعية المتنوعة هو جريمة يعاقب عليها القانون؟ لأن ذلك الفعل هو أيضا نوع من التجمهر!

التهمة الأخرى الجاهزة هي التحريض! واعجبي! كيف بات حث الناس على الحفاظ على حقوقهم نوع من التحريض؟ نوع من الفساد والخيانة؟

غدا لن أقول لأبنائي حافظوا على حقوقكم، لأني أحرضهم على الفساد وزعزعة أمن البيت الذي أسكن فيه، لن أخبر زملائي في العمل بأن لهم حقوقا ينبغي أن يحرصوا عليها لأني حين أفعل ذلك أكون متآمرا أستحق الحبس بتهمة التحريض على الفساد!

هل خدعنا إذن عندما قيل لنا بأن هنالك حركة إصلاح؟ وبأن السلطة مع المعتصمين وستعطيهم حقوقهم وستستجيب إلى مطالبهم والإصلاح في مقدمتها؟

لا طبعا، ولكن حدث تغيير طفيف، حيث ليس هناك شيء اسمه الإصلاح، وإنما تطوير، إذ لم يكن النظام فاسدا ومخطئا كي نبحث في إصلاحه، ولكن امر تطويره واجب وضروري!

ويا أيها العمانيون لتنسوا الماضي "غير المطور" فنحن سنبدأ معكم وبكم عهد التطوير، والحمد لله طوال الأربعين عاما لم نشهد فسادا أو خطأ واحدا في النظام!

لننس ولنكتفي بحزمة "التطوير" الحالية، والقافلة تمضي إلى الأمام، أو بمنطق أكثر منطقية إلى الخلف، نعم الخلف، الخلف عندما يتم القفز على أحلام البسطاء من قبل من يظنون أنها تسعى لمصالحهم، من يظنون أنها تقف إلى جوارهم، وكل ما تفعله أنها تحمي مصالحها الخاصة فقط

أدرك أنني أتطرف في وجهة نظري الحالية، ولكن الذي حدث يفوق رؤيتي المثالية، ومواقفي السابقة التي أبديت فيها تحية للحكومة عندما كانت تستجيب وتنصت

لكنها كانت مرحلة و"عدت" يا رجل، وجاءت مرحلة ما يسميها البعض "هيبة دولة" ولذلك لابد من إحياء النظام القبلي، والتصرف مع الناس وفق قوانين "مائعة" تعدل في الوقت المناسب من اجل مصالح معينة واما القضاء فإنه يعصب عينيه بعصابة سوداء

لكن إلى أين نتجه، ونحن نعيش مثل هذا الوضع الدراماتيكي؟ إن عمان الوطن الجميل كما أظنه آخذ في التلاشي لتحل عوضا عنه حركة من الضباب الكثيف ليضيع كل شيء، ويبدو أننا جميعا وبلا استثناء أضعنا فرصتنا المهمة، فرصتنا التاريخية كي نصحح مسارنا المستقبلي، فيا لسوء حظ الأجيال المقبلة!