المواطن جورج وإهانة الكرامة

أما بعد،

فقد عجبت جدا عندما أصر كاتب عماني على إعادة كتابة نصوصه السردية، القصصية بالتحديد، وتغيير كافة الأسماء الواردة في تلك النصوص، وعادة ما تكون شخصية وحيدة هي محور القصة القصيرة وبطلها، وقد طرح بديلا عن خلفان وعبد الله ومحمد وسالم وعلي وشيخة وعائشة وسمية ومريم أسماء مايكل وجون وجوزيف وعزرا والكسندرا وجوزفين وماري وجنيفر!

لقد استغربت تصرفه ذلك وعندما سألته لماذا؟ قال بأنها أسماء لن تجلب عليه تهما وتحقيقات وقضايا في المحاكم، وبأنه لا يريد أن يزج بنفسه في دوامة كهذا، ومن الأسلم له من الآن أن يسمي الأبطال بتلك الأسماء

طبعا حضرتنا استهجن الفكرة الغبية، وصرخت في وجهه: كيف تكون كاتبا إن لم تكن جريئا في طرحك وتدافع عن أفكارك وأرائك دون أن تخشى لومة لائم؟ إن الكتابة يا صديقي الكاتب مهمة صعبة وعلى المرء الذي يقرر أن يسلك هذه الدرب، درب الكتابة، أن يتحمل جمرها ونارها ما دام مؤمنا بما يفعل!

لم يرد عليّ وإنما قال بأن جورج بطله الجديد في إحدى نصوصه لن يخرج من إحدى القرى العمانية ليذهب إلى القضاء فيشكوه، لأنه كائن خيالي وليس موجودا على أرض الواقع الفعلي لا اسما ولا كيانا، والمهم أن تكون القصة كفكرة مكتملة وككيان كذلك، وأما الأسماء فغير مهمة ما دام الغرض المطلوب سيصل إلى القارئ

ولكن يا صديقي الكاتب أنت هكذا تستخف بالقارئ العماني وتغترب عنه لأنك تستحضر شخوصا لا واقعية، وهو يريد أن يحس بأن القصة تمسه وكأنها تحدث أمام عينيه، أما فيما لو أنك استخدمت اسما لا يقترب منه فإنه سيشك في مصداقية ما كتبت

وما أدراك أنت؟ هكذا أجاب، يا أخي سيكون هذا الأسلوب ساخرا وجميلا وله دلالات عميقة تجاه قضية رفع قضية إهانة الكرامة ضد أحد المواطنين، الذي يريد بالمختصر أن يكسب "شوية" ريالات

ولم يسفر نقاشنا عن شيء، ثم دعاني لأن أقرأ قصته الجديدة " جورج يهرب من القلعة" وفي الحقيقة كانت قصة ذات مستوى جميل إلى حد بعيد، وبها سخرية كثيرة مما ذكره، إضافة إلى الرموز والمستويات التي وضعها، ومع ذلك لم تستهوني فكرة أن يكون الاسم هو جورج أو أي "بطيخ" من الأسماء التي اقترحها

يومها افترقنا ولم أسأله: هل يواصل فكرته إياها أم أنه عدل عنها؟ حتى تفاجأت في يوم باتصال يسألني: هل فتحت منتدى "أخباركم"؟ فأجبت بأني لا أتابع الأخبار "المفبركة" ولا الصحيحة! وكان المتصل صديق مشترك بيني وبين الكاتب صاحب الأفكار المجنونة والذي لم ينتظر أن أسأله ماذا هناك؟ حتى قال: صاحبنا الكاتب واقع في مشكلة ضخمة، لقد تقدم الاتحاد الأوروبي بشكوى ضده لأنه عرض بمواطن أوروبي وجعله شخصا ضعيفا وسيء السمعة! وهو الآن يطالب بمحاكمته! لم أصدق أذني وقلت لصاحبي بأن الاتحاد الأوروبي وأمريكا لا يعنيهما إساءة كاتب عربي لمواطن غربي، وبأنهم هناك يؤمنون بالحريات وبأن من حق الكاتب أن يكتب ويتخيل ما يشاء حتى لو كان البطل هو الرئيس الأمريكي ذاته ما دام هناك شرط فني قائم في العمل الإبداعي، إنها مجرد "أخبار نتية مفبركة" لكنه طلب مني أن أتأكد من الكاتب ذاته والذي عندما اتصلت به قال بأن الخبر الصحيح أن هناك مواطنا عمانيا اسمه جورج هو الذي اشتكى عليه متهما إياه بإهانة الكرامة!

أسقط في يدي ولم أقل شيئا ولا صاحبي الكاتب الذي قرر أن تكون أعماله المقبلة بأبطال وشخصيات تحمل أرقاما لا أسماء حتى لا يشتكيه "مواطن" بإهانة الكرامة

لكنني بعد المواطن "جورج" قلت في نفسي: ماذا لو أن الأرقام كانت أسماء لمواطنين آخرين يريدون أيضا "شوية" ريالات؟

ـــــــــــــــــــــــ

بدأت منذ الخميس الماضية الكتابة لصالح جريدة الرؤية وذلك بالصفحة الأخيرة من صفحات الجريدة، والعمود هو عمود يتناوب عليه عدد من الكتاب منهم سليمان المعمري يوم الأربعاء ومحمود الرحبي يوم الثلاثاء ومسعود الحمداني يوم السبت وآخرون، وهو العمود الذي يحمل مسمى "إضاءة" وهنا أنشر المقال الثاني الذي نشر صباح اليوم

تعليقات

المشاركات الشائعة