الزاوية الخطأ


لم تعد المشكلة مرتبطة بجريدة أو حرية أو عدالة، بل باتت الآن قضية مستقبل وطن، حيث غموض هائل يلف البلاد في القريب العاجل، لا لشيء، وإنما لأن الشك داخل القلوب، وأمسى المواطن غير متيقن إن كان يستطيع أن يأخذ حقه من خلال القضاء والقانون، بل يخامره الشك بأن كل هذه القوانين تم اختراقها وبأن القضاء لا يمكن له أن يحقق ما تصبو إليه النفس

غدا إذن، نحن على موعد مع الغابة، عندما يبدأ المواطن في التفكير بأن الحياة لا عدالة فيها ولا حرية، وبأن ساعديه هما اللذان يفترض بهما أن يأخذا حقه المهضوم، حقه المسفوح عن قدمي المرأة العمياء

لم أكن أفهم كثيرا لماذا العدالة هي امرأة معصوبة العينين؟ لكنني اليوم بت أفهمها بطريقة سلبية: هي تغطي عينيها لكي لا ترى الظلم يسود، او يسقط على أحدهم.. معصوبة العينين لا تفرق بين كبير وصغير (هذا ما يفترض) ولأنها كذلك فإن المواطن عليه أن يخاف منذ اليوم، عندما يتعلق موضوعه مع مسئول كبير وذي نفوذ قبلي هائل

الآن سيعود الأبناء لشيوخ قبائلهم من أجل أخذ الحقوق التي لهم، وسنعود كرة أخرى إلى حل المنازعات بالطرق القبلية العتيقة التي لا تتوافق مع معطيات القرن الحادي والعشرين

ماذا عمن هم بلا قبائل؟ ممن ينعتهم المجتمع على أنهم طبقة أقل؟ بالتأكيد لن يطالبوا بالعودة إلى نظام الحماية القبلية الذي قد ينتهك كثيرا من كرامتهم، ولذلك لا تستغربوا أن يلجأ الناس لاحقا إلى تشكيل عصابات تنبأت بها الحكومة عندما قامت بنشر مادة خبرية عن عصابة التنين إبان مواجهات صحار

هكذا تنتشر الفوضى، ولا نعود قادرين على أن نحمل أنفسنا للغد، هكذا نعود إلى أيام الفرقة، عندما كانت أكثر من قبيلة تحوز مساحات واسعة من البلاد وتحكمها بعيدا عن الحكم المدني، الذي يساوي بين الناس كما يفترض ويجعلهم أخوة في بلاد الله لا يفرقهم لون ولا عرق ولا مذهب

هذا للأسف ما قد يحدث جراء استقصاد الحرية، وتسييس العدل والمساواة، فإن كنا نريد أن نعيش في مثل هذا الإطار الضيق فلا ينبغي أن نأسى على حالنا، ولا أن نشتم ماضينا الأسود، لأنه في كل الأحوال سيكون أفضل كثيرا من حالنا اليوم، بالمقارنة مع معطيات الوقت الذي نعيشه

بل إننا فرطنا في حقنا بمستقبل جيد، وحق أبناء الغد في أن ينعموا بما لم ينعم به من سبقونا، وبما لم نرد أن ننعم به نحن جراء تصرفات بعضنا الذين يريدون فعليا وضعنا في الزاوية الخطأ
هكذا علينا أن نعد ما تبقى من فسحة النور، فالنفق بدأ يضيق علينا، ونحن لا نتحرك مطلقا، لا نتحرك قيد أنملة

تعليقات

المشاركات الشائعة